ثوارٌ في الميدان ولكن أين السياسة ؟

23 يونيو 2026آخر تحديث :
ثوارٌ في الميدان ولكن أين السياسة ؟
عيدروس المدوري

سنتحدث هنا بوضوح تام وبلغةٍ قد لا تعجب بعض الغوغائيين أو المدرعمين او اصحاب المصالح الخاصة الذين يفضلون العواطف الجوفاء على الحقائق والوقائع لكن المسؤولية الوطنية تفرض علينا أن نقول الكلمة كما هي دون مواربة أو تجميل .
من خلال مراقبتنا الدقيقة والمستمرة للوضع منذ انطلاقة شرارة الحراك الجنوبي ومروراً بكل المنعطفات والمراحل الصعبة والمعقدة التي عشناها وصولاً إلى يومنا هذا تتضح لنا حقيقة ساطعة كشمس النهار الجنوبيون ثوارٌ حقيقيون جميعاً قيادةً وشعباً لكنهم يفتقرون للساسة الحقيقيين .
لقد أثبت الشعب الجنوبي ومعه قياداته الميدانية في كل المنعطفات أنه يمتلك مخزوناً لا ينضب من التضحية والإقدام والصمود خاض الجنوبيون معاركهم ببسالة وقدموا قوافل من الشهداء وصنعوا تحولات عسكرية وسياسية بفضل روح الثورة الكامنة في وجدانهم .
ولكن وهنا تكمن العلة الثورة شيء وإدارة الدولة والسياسة شيء آخر .
السياسة ليست مجرد شعارات حماسية ولا هي خطابات تُلهب حماس الجماهير في الساحات السياسة هي فن الممكن هي القدرة على المناورة وقراءة المتغيرات الإقليمية والدولية وبناء التحالفات الذكية واقتناص الفرص وتحويل الانتصارات العسكرية إلى مكاسب دبلوماسية واقتصادية ملموسة على أرض الواقع .
إن المشكلة الحقيقية التي تواجه المشهد الجنوبي اليوم تتلخص في النقاط التالية :
1- عقلية الثورة لا عقلية الدولة غياب التمييز بين منطق الثائر الذي يرى الأشياء بلونين أبيض وأسود ومنطق السياسي الذي يتعامل مع الرماديات والتقاطعات المصالحية .
2- تغييب الكفاءات السياسية طغيان الولاءات والمحسوبيات أحياناً على حساب رجال الدولة والتكنوقراط والساسة المخضرمين القادرين على إدارة الملفات المعقدة .
3- الوقوع في فخ ردود الأفعال الافتقار إلى المبادرة السياسية والوقوع الدائم في موقع المدافع أو المستجيب للأحداث بدلاً من صناعتها وتوجيهها.
إن التضحيات التي قُدمت على مدى سنوات طويلة تستحق قيادة سياسية بمستوى هذه التضحيات شعبٌ يمتلك كل هذا العنفوان الثوري لا ينقصه الشجعان بل ينقصه الرجال الساسة الذين يجيدون قراءة ما بين السطور في عواصم القرار الدولي ويملكون القدرة على قيادة السفينة إلى بر الأمان وسط الأمواج المتلاطمة .
لقد حان الوقت لكي ندرك أن الهتاف في الساحات لم يعد كافياً وأن مرحلة بناء الدولة وتثبيت الحقوق تحتاج إلى عقول سياسية باردة قادرة على التخطيط والمناورة والانتصار في دهاليز السياسة تماماً كما انتصر الأبطال في جبهات القتال .