
بقلم/ علي بن شنظور (أبو خالد)
يمر الجنوب اليوم بمرحلة مفصلية تُعد من أخطر وأهم المراحل في تاريخه السياسي المعاصر، مرحلة تتطلب من الجميع تغليب صوت العقل والحكمة، والارتقاء فوق الخلافات الضيقة والمصالح الآنية، حفاظاً على قضية شعب قدم التضحيات الجسام من أجل حريته وكرامته ومستقبله.
لقد استطاع الجنوب منذ عام 2015م أن يحقق مكاسب سياسية وعسكرية مهمة، وأن يفرض حضوره على مختلف المستويات المحلية والإقليمية والدولية، غير أن هذه المكاسب تواجه اليوم تحديات معقدة نتيجة الانقسامات والخلافات التي ألقت بظلالها على المشهد الجنوبي، وأضعفت من قدرته على مواجهة الاستحقاقات الوطنية الكبرى.
إن القضية الجنوبية أكبر من أي مكون سياسي، وأسمى من أي خلاف عابر، وهي قضية شعب بأكمله، ولذلك فإن الحفاظ عليها يستوجب توحيد الصفوف وجمع الكلمة وفتح أبواب الحوار أمام جميع القوى والشخصيات الوطنية الجنوبية دون استثناء أو إقصاء أو تخوين.
وفي ظل الظروف الاقتصادية والخدمية الصعبة التي يعيشها المواطن، فإن من حق الشارع الجنوبي أن يعبر عن معاناته وغضبه، لكن الواجب الوطني يحتم توجيه هذا الغضب نحو إصلاح الأوضاع ومعالجة الاختلالات، لا نحو تعميق الانقسامات أو إشعال صراعات جديدة قد يدفع الجنوب ثمنها لعقود قادمة.
إن العقلاء يدركون أن أي مواجهة أو صراع داخلي لن يحقق مكاسب سياسية للقضية الجنوبية، بل سيؤدي إلى استنزاف الطاقات وإضعاف الموقف الوطني، ويفتح المجال أمام القوى المناوئة لاستغلال حالة التشتت والانقسام.
ومن هنا تبرز الحاجة الملحة إلى إطلاق حوار جنوبي شامل ومؤتمر وطني جامع يعيد ترتيب البيت الجنوبي، ويؤسس لشراكة حقيقية بين مختلف المكونات الوطنية، ويضع رؤية سياسية موحدة قادرة على حماية المكتسبات ومواجهة التحديات الراهنة والمستقبلية.
كما أن الحفاظ على العلاقات مع الأشقاء والدول المؤثرة في الإقليم يمثل ضرورة استراتيجية، فالحكمة السياسية تقتضي إدارة الخلافات بعقلانية ومسؤولية، بعيداً عن ردود الأفعال المتسرعة التي قد تضر بالمصلحة الوطنية العليا.
إن الجنوب اليوم أمام فرصة تاريخية لإعادة بناء التوافق الوطني وترسيخ ثقافة الحوار والشراكة، بعيداً عن لغة التخوين والكراهية والصراع. فالأوطان لا تبنى بالخصومات والانقسامات، وإنما تبنى بالإرادة الوطنية الصادقة والرؤية الحكيمة والقيادات القادرة على تقديم المصلحة العامة فوق كل اعتبار.
ولعل دروس التاريخ القريب والبعيد تؤكد أن الشعوب التي تتعلم من أخطائها وتتمسك بوحدتها الداخلية هي وحدها القادرة على صناعة مستقبلها وحماية مكتسباتها، أما الانجرار نحو الصراعات البينية فلا ينتج سوى مزيد من الأزمات والمعاناة.
إن الجنوب يستحق من أبنائه جميعاً أن يكونوا على قدر المسؤولية الوطنية، وأن يجعلوا من الحوار والتوافق جسراً للعبور نحو المستقبل، وأن يدركوا أن قوة الجنوب الحقيقية تكمن في وحدة أبنائه وتماسك صفه الوطني.
فالمرحلة ليست مرحلة كسر إرادات أو تصفية حسابات، بل مرحلة إنقاذ وطن وصناعة مستقبل شعب.
والله من وراء القصد.
عدن – 22 يونيو 2026م علي بن شنظور (أبو خالد) رئيس منبر عدن للحوار والسلام









