السلة الغذائية(قصة قصيرة)

14 مارس 2023آخر تحديث :
السلة الغذائية(قصة قصيرة)
سمانيوز / الأستاذ الدكتور الخضر حنشل

أخذ يجر جسده المكتنز وسط هالة من الكتل البشرية الضاوية، ومضى صوب سيارته الفارهة فلم يستطع أخفاء سر خجله ودهشته كان يريد أن يقول شيئاً ما،ولكن شفتيه انطبقتا كأنهما ألصقتا بالغراء ومن شدة الدهش نسي أن يلقي على مسامع الأهالي الخطبة العصماء التي أعدها لهذه الزيارة.

كانت عيونهم ترقب السيارة وهي تغادر القرية، وتمضي مسرعة تلتهم الطريق الترابي التهاماً، وتلمع لمعاناً طاغياً تحت أشعة الشمس.. بدت الأرض منشرحة لاهية، وكانت الأشجار تحملق في تلك السيارة الغريبة التي تمرق من بين الحقوق غير عابئة بردهات الطريق المهترئ؛ ومنعطفاته الكثيرة.

نظر المرافق ناصر نحو رئيس البعثة نظرة متحفزة لا تخلو من فخر وزهو، واعتزاز قائلاً: انظر حضرتك إلى تلك الأشجار الباسقة المورقة أن عمرها قد تجاوز القرن،وتلك التباب الحمراء يقول الأهالي: إنها كانت لبشر مثلنا مسخهم الله فصاروا كما ترى حجارة مركوزة متلاصقة متلاحمة، وتلك الخطوط المتعرجة يقولون: إنها كانت أنهاراً في الزمن الغابر.. وأخذ يعدد (المرافق ناصر) مآثر قريتهم وخصالها التاريخية.

كان رئيس البعثة منشغلاً غير مكترث بمايقوله المرافق.. شرد بعيداً ثم قال في نفسه: ياترى كم يساوي ثمن كبش العم صالح؟ يالله من موقف محرج ربما ظل رئيس البعثة يذكره طيلة حياته الباقية.

انحدرت السيارة صوب الجبل الأسود فارتفعت رويداً رويداً حتى وصلت قمة الجبل المرتفع عن سطح البحر قرابة ألف متر فبدت بيوت القرية المتناثرة كأنها عقد دري يطوق عنق فتاة حسناء؛ وبدت الأرض الزراعية أشبه بخميلة خضراء متناسقة الألوان تلهو بها قطعان الماشية.

لم يستطع أن يخفي رئيس البعثة ماتلجلج في صدره من سؤال ملح فاعتدل في مجلسه على الكرسي الخلفي؛ وقال للمرافق ناصر: ياترى كم يساوي ثمن كبش العم صالح؟

نظر المرافق نحوه فرد قائلاً: لا عليك فمن عادة البداوة إذا حل بهم ضيف أكرموه، وأنت ضيف لاتتكرر. لقد أطلق حضورك غير المنتظر شحنة كهربائية لدى الأهالي، وجعلهم ينتظرون المزيد والمزيد.. تهللت أسارير رئيس البعثة واعتدل في مجلسه أكثر وقال بفخر وغرور: لا عليك نحن في خدمة شعبكم سنبذل الغالي والنفيس للتفريج من كربهم وويلاتهم.. أمركم يهمنا أكثر من أنفسنا، وقد بذلنا الكثير والكثير، ومازال في جعبتنا الأكثر.

نظر المرافق شزراً نحو رئيس البعثة؛ وقال في سره والغيظ يملأ قلبه: يا لك من رجل وغد زري بليد الإحساس ألم تعلم أن قيمة كبش العم صالح الذي امتلأت به كرشك الضخمة تساوي قيمة سلتك الغذائية ثلاثة أضعاف.. فقيمة الكبش مائة وخمسون ألف ريال يمني؛ وسلتك الفقيرة التي منحتها له تساوي خمسين ألف ريال يمني.

لقد خسر العم صالح كبش العيد في هذه المأدبة التي أقامها على شرفك أيها الوغد.. يا للحسرة وما العمل ياعم صالح والعيد على الأبواب.. وسرح بخياله بعيداً بعيداً فتذكر اللحظات الأولى للحرب المجنونة التي أهلكت الحرث والنسل.. تذكر ولده الوحيد عبدالله الذي أصيب بشظية في فخذه الأيمن فظل ينزف دون أن يتمكن من أسعافه وسط أزيز الرصاص حتى مات في ريعان شبابه.. تذكر هول تلك المعارك التي دارت على مشارف القرية وماخلفته من دمار وخراب مازال شاهداً على ضراوتها حتى اليوم.. مضى المرافق ناصر في شروده وهمه ولم يفق إلا على صوت فرامل السيارة، وهي تنحدر عن الطريق الأسفلتي المهترئ، وتكاد تطيح في هوة سحيقة لولا لطف الله.

ارتطمت بطن رئيس البعثة الضخمة بالكرسي الأمامي، وكاد قلبه أن ينخلع من صدره من شدة الهلع والرعب ولم يستطع أن ينزل من السيارة الا بمساعدة المرافق والسائق كان موقفاً مرعباً له، وأزداد رعبه حين عاين الفجة السحيقة التي كادت أن تقع فيها السيارة.

نظر الجميع تحت إطارات السيارة فإذا قطعان الماشية قد تبعثرت وتزحلقت هنا وهناك،ولم يبق منها سوى شاتين بلا حراك لقد فارقتا الحياة وعلى بعد أمتار منهما وجد كلب الراعي -حارس القطيع- يلفظ أنفاسه الأخيرة.

نظر الجميع نحو الراعي البسيط، وقال رئيس البعثة والرعب يملأ نفسه.. قال بصوت متهدج مرتعش نتأسف لما جرى لغنمك،ولك الحكم بما شئت..قال الراعي وهو يرفع عماته للأعلى.. يبدو أنكم أناس غرباء عن المنطقة..

-نعم غرباء جئنا في مهمة عظيمة لقد قمنا اليوم بعمل شاق وجبار.

-حصل خير.. حصل خير

-همس المرافق في أذن الراعي: “حدد لرئيس البعثة ثمن غنمك النافقة”؟

سكت الراعي برهة ثم قال بصوت يملأه الحزن، والحرج: لا عليكم أنتم ضيوف، وقد سامحتكم في ثمن شياهي لوجه الله؟

قال المرافق بنبرة لا تخلو من الحنق: بيض الله وجهك كما بيضت وجوهنا أمام هؤلاء؟

نظر رئيس البعثة نحو الراعي، وقال له بعد أن استجمع حيويته وتمالك نفسه: أشكرك من كل قلبي، وأوعدك أنني سأسجل أسمك لدي وسأمنحك في الزيارة القادم سلة غذائية.. ثم أردف قائلاً لقد كنا اليوم في قرية ريمان أنا رئيس البعثة التي وزعت السلة الغذائية للقرية.. ومن المؤكد أنك تعرف قرية ريمان.

-نعم أنها قريتي وأنا الآن ذاهب اليها.

-أتعرف العم صالح لقد تناولنا الغداء في منزله، وحظينا بوليمة، ومأدبة غداء لم أذق في حياتها مثلها؟

-نعم إنه والدي!!!!

Ad Space