انطلقت عملية عاصفة الحزم في السادس والعشرين من مارس عام 2015 برصيد هائل من التوقعات والشعارات الإستراتيجية التي بشرت بحرب خاطفة تُنهي الانقلاب الحوثي وتستعيد العاصمة صنعاء وتثبت أركان الحكومة الشرعية وتحمي الأمن القومي الخليجي إلا أن السنوات الطويلة التي تلت هذا التاريخ كشفت عن بون شاسع بين الخطاب الإعلامي والسياسي للتحالف وبين الحقائق والمعادلات المعقدة التي فرضت نفسها على الأرض
يستعرض هذا التقرير تفكيكاً شاملاً للمسار الذي سلكته العمليات العسكرية وصولاً إلى المتغيرات الراهنة التي أعادت صياغة المشهد اليمني بالكامل .
1. معادلة الردع الحوثي من الهجوم الإستراتيجي إلى الرضوخ والتفاوض
حين بدأت عاصفة الحزم كان الهدف المعلن هو تجريد جماعة الحوثي (أنصار الله) من الأسلحة الثقيلة والصواريخ الباليستية لكن الواقع على الأرض سار في اتجاه عكسي تماماً إذ تمكنت الجماعة بدعم تقني وعسكري مستمر من إيران من تطوير ترسانتها العسكرية وتحويلها من أدوات دفاعية المحلية إلى قوة ردع إقليمية قادرة على كسر التفوق الجوي للتحالف .
سلاح المسيرات والصواريخ الباليستية :
تدرجت الجماعة في استخدام الصواريخ الباليستية والطائرات المسيرة (بدءاً من المقذوفات قصيرة المدى وصولاً إلى صواريخ قدس و بركان ومسيرات صماد) مستهدفة العمق الحيوي للمملكة العربية السعودية لم تعد المعركة محصورة في جبال صعدة أو حدود نجران وجيزان بل امتدت لتطال عصب الاقتصاد العالمي والخليجي من خلال:
استهداف منشآت شركة أرامكو في بقيق وخريص (2019) والتي أدت إلى توجيه ضربة مؤقتة لإنتاج النفط العالمي .
الضربات المتكررة على المطارات الحيوية (كمطار أبها وجدة) ومحطات تحلية المياه والطاقة .
التهديد والملاحة الدولية :
تطور التهديد ليشمل البحر الأحمر ومضيق باب المندب مما وضع الملاحة الدولية في مرمى النيران الحوثية هذا التهديد المستمر والمتصاعد خلق كلفة اقتصادية وأمنية باهظة لم تعد دول التحالف وتحديداً السعودية قادرة على تحملها على المدى الطويل خاصة مع انخراط المملكة في مشاريع اقتصادية عملاقة وضخمة ضمن رؤيتها المستقبلية التي تتطلب استقراراً أمنياً مطلقاً .
الرضوخ للأمر الواقع والمحادثات المباشرة :
أمام هذا الاستنزاف المستمر وفشل الحسم العسكري اضطرت الرياض إلى تغيير إستراتيجيتها بشكل جذري تحول الموقف من السعي لاجتثاث الحوثيين وتجريدهم من السلاح إلى الرضوخ العسكري للأمر الواقع والبحث عن خروج ديبلوماسي آمن تجسد هذا في فتح قنوات تفاوض مباشرة وبسرية تامة بين الرياض وصنعاء تلتها زيارات علنية للوفود السعودية إلى صنعاء والوفود الحوثية إلى الرياض حيث جرى التفاوض مع الجماعة كسلطة أمر واقع حاكمة لشمال اليمن والقبول بشروطها المتعلقة بالملفات الإنسانية والاقتصادية (مثل دفع المرتبات وفتح الموانئ والمطارات) مقابل تأمين الحدود والعمق السعودي . 2. الضغوط الدولية والإقليمية كوابح الحسم لصالح الحوثي
لم يكن التراجع العسكري للتحالف ناتجاً عن الخلل في موازين القوة على الأرض فحسب بل كان محصلة لضغوط ديبلوماسية ودولية مكثفة مارستها القوى الكبرى والتي صبت في المحصلة النهائية لصالح تثبيت سلطة الحوثيين وحمايتهم من السقوط في لحظات إستراتيجية فارقة .
اتفاق ستوكهولم (2018) يمثل هذا الاتفاق النموذج الأبرز للتدخل الدولي فحين كانت القوات المشتركة (بدعم من التحالف) على بعد كيلومترات قليلة من السيطرة الكاملة على ميناء ومدينة الحديدة وهو الشريان المالي واللوجيستي الأهم للحوثيين تدخلت الأمم المتحدة بضغوط أمريكية وبريطانية بذريعة المأساة الإنسانية ليتم توقيع الاتفاق الذي أوقف العمليات العسكرية ومنح الحوثيين قبلة حياة تاريخية حافظت على بقائهم الإستراتيجي .
تغير الإدارة الأمريكية مع وصول إدارة الرئيس جو بايدن إلى البيت الأبيض في أوائل عام 2021 اتخذت واشنطن قرارات حاسمة لرفع جماعة الحوثي من قوائم الإرهاب (قبل أن تعيد تصنيفهم جزئياً لاحقاً في 2024 لظروف أخرى) ووضعت قيوداً صارمة على مبيعات الأسلحة الهجومية والدعم الاستخباراتي للسعودية وطالبت بإنهاء الحرب فوراً مما قيد حركة التحالف عسكرياً وسياسياً .
المقاربة الغربية للأزمة الإنسانية ركزت المنظمات الدولية والدول الغربية على الملف الإنساني كورقة ضغط على التحالف متجاهلة الانتهاكات الحوثية مما جعل أي تقدم عسكري كبير نحو صنعاء أو المدن الكبرى مكلفاً سياسياً وسيادياً للتحالف في المحافل الدولية .
3. القوى الجنوبية الجدية العسكرية ومفارقة الشعار والهدف
على النقيض من جبهات الشمال شكلت المحافظات الجنوبية المسرح الحقيقي لانكسار التمدد الحوثي . فرغم أن القوى الجنوبية (المتمثلة في المقاومة الجنوبية والمجلس الانتقالي لاحقاً) رفعت منذ اليوم الأول شعار استعادة دولة الجنوب والانفصال إلا أنها أثبتت عملياً أنها القوة الأكثر جدية وإخلاصاً في قتال الحوثيين وتأمين المشروع المناهض للمشروع الإيراني .
عقيدة قتالية صلبة :
اندفعت القوات الجنوبية بعقيدة قتالية وطنية واضحة وتمكنت في غضون أشهر قليلة وبدعم من دولة الإمارات العربية المتحدة من تحرير عدن لحج الضالع أبين وشبوة وصولاً إلى المساهمة الرئيسية في تحرير الساحل الغربي حتى أبواب الحديدة (عبر ألوية العمالقة الجنوبية) .
رهان إستراتيجي مؤجل :
كانت الرؤية الصريحة للقوى الجنوبية تتلخص في أولوية القضاء على الخطر الحوثي وتأمين الأرض وتثبيت شرعية مواجهة الانقلاب كخطوة أولى على أن يتم بعد ذلك ومن موقف القوة التفاوض مع القوى الشمالية والمجتمع الدولي حول مصير القضية الجنوبية وشكل الدولة المستقبلية لكن هذه الجدية قوبلت لاحقاً بإنشاء تحالفات ومجالس رئاسية حاولت احتواء القضية الجنوبية بدلاً من حلها .
4. في الطرف المقابل ترهل جيش الشرعية وأجندات حزب الإصلاح
بينما كانت الجبهات الجنوبية تشتعل تضحية وفداء ظهر جيش الشرعية في المناطق الشمالية والشرقية ككيان مترهل يفتقر للحس الوطني والجدية العسكرية ومحكوماً بأجندات حزبية ضيقة وتحديداً من قِبل حزب التجمع اليمني للإصلاح (الإخوان المسلمون) الذي سيطر على القرار العسكري للشرعية لسنوات طويلة .
غياب العقيدة الوطنية وتجميد الجبهات :
اتسم أداء قوات الشرعية في جبهات نهم صرواح والجوف بالتخاذل والانسحابات غير المبررة (مثل سقوط الجوف وفرضة نهم بيد الحوثيين) حيث تحولت تلك الجبهات إلى مسارح لاستنزاف الدعم المالي والعسكري المقدم من التحالف دون تحقيق أي اختراق إستراتيجي حقيقي باتجاه صنعاء .
التركيز على ثروات الجنوب (المنطقة العسكرية الأولى) :
بدلاً من توجيه الثقل العسكري لمواجهة الحوثي في جبال صنعاء وعمران ركزت قوات الإصلاح والشرعية جهدها العسكري والبشري لحماية مصالحها السابقة والسيطرة على منابع النفط والغاز في الجنوب .
تجسد هذا السلوك بشكل صارخ في بقاء وتمركز قوات ضخمة مدججة بالأسلحة الثقيلة والنوعية في وادي حضرموت (المنطقة العسكرية الأولى) وفي أجزاء من المهرة وشبوة .
رفضت هذه القوات طيلة سنوات الحرب الامتثال للمطالبات الشعبية والسياسية (وحتى بنود اتفاق الرياض) التي دعتها للتحرك نحو جبهات القتال المشتعلة في مأرب أو البيضاء لمواجهة الحوثيين مفضلة البقاء في مناطق الثروة لتأمين مصالح قياداتها ونفوذها المالي .
5. قوات طارق صالح (حراس الجمهورية) جاهزية السلاح وغياب الفعل المستقل
بعد مقتل الرئيس السابق علي عبد الله صالح في ديسمبر 2017 تشكلت قوات المقاومة الوطنية (حراس الجمهورية) بقيادة العميد طارق محمد عبد الله صالح في الساحل الغربي وحظيت بدعم عسكري وتسليحي من أعلى طراز (آليات حديثة مدرعات ومدفعية متطورة) .
رغم الكفاءة التنظيمية والنوعية لأسلحة قوات طارق إلا أن أدائها العسكري على الأرض ظل محاطاً بـ عقدة الفاعلية الذاتية :
اعتمادية التقدم لم تخض هذه القوات معارك هجومية كبرى بمفردها لانتزاع جغرافيا جديدة من الحوثيين بل كانت في أغلب الأحيان تتقدم لاستلام وتأمين المواقع والمناطق التي تقوم القوات الجنوبية (ألوية العمالقة الجنوبية) بتحريرها ودفع الكلفة البشرية الباهظة لتطهيرها .
الحسابات السياسية والموضعية تحولت قوات طارق لاحقاً إلى قوة تموضع سياسي وعسكري في الساحل الغربي (المخا ومحيطها) محكومة بالتفاهمات الدولية (ستوكهولم) والخطوط الحمراء الإقليمية بدلاً من أن تكون رأس حربة ديناميكي يكسر الجمود العسكري في الجبهات الشمالية الحيوية .
لقد انحرفت عاصفة الحزم عن مسارها الأصلي بشكل كلي فشعار إعادة الشرعية وإنهاء الانقلاب تحلل أمام صخرة الواقع الذي فرضته طائرات الحوثي المسيرة وضغوط المجتمع الدولي مما دفع القوة القيادية للتحالف (السعودية) لتوقيع اتفاقات تهدئة تضمن أمنها أولاً .
وفي حين أثبتت القوى الجنوبية أنها الصخرة العسكرية الوحيدة التي انكسر عليها المشروع الحوثي رغم تهميش قضيتها السياسية فإن تشتت جبهة الشرعية وتحول جيشها (المحسوب على الإصلاح) إلى حارس لثروات الجنوب في حضرموت بدلاً من مقاتل في جبهات الشمال إلى جانب محدودية الدور العملياتي لقوات طارق صالح أدى مجتمعاً إلى صياغة المشهد اليمني الحالي شمال حوثي مستقر ومُعترف به كأمر واقع وجنوب محرر عسكرياً ومحاصر سياسياً واقتصادياً .





















