
إن تقييم تجارب قيادة العواصم في المنعطفات التاريخية لا يخضع لمعادلة النجاح المطلق، بل لحجم الكوارث التي تم تلافيها والأسس التي وُضعت للمستقبل.”
يأتي هذا الطرح رداً وتعقيباً على القراءة التي وضعها الكاتب الصحفي القدير عبد الرحمن أنيس حول مسيرة محافظ العاصمة عدن وحجم التحديات التي تواجه قيادة السلطة المحلية. ونحن إذ نشارك الكاتب القلق على مستقبل المدينة، نرى أن المشهد يحتاج إلى تفكيك زواياه لإنصاف المرحلة وتحديد المسؤوليات بدقة.
#نقرّ جميعاً بأن الوضع المعيشي لا يزال قابعاً تحت وطأة تراكمات ثقيلة، ونعلم يقيناً أن مراكز النفوذ ومافيات الفساد لم تترك للمحافظ مساحة هادئة للعمل منذ اليوم الأول، وهو ما جعلنا في فترة سابقة
وتحت تأثير وطأة الأزمات – كنا نطالب باستقالته. لكن النظر إلى الأمور بعين المنطق والمسؤولية اليوم، يفرض علينا مراجعة هذا الموقف والمطالبة بالتمسك بمنصبه ومنحه الصلاحيات الواسعة لإنقاذ عدن،
للأسباب الموضوعية التالية:
اولا : قبل الحديث عن الأرقام والاقتصاد، هناك إنجاز وجودي لا يمكن التغافل عنه؛ لقد كانت العاصمة عدن على شفا صراعات وحروب دامية كادت أن تأكل الأخضر واليابس وتنهي السلم الأهلي تماماً.
بفضل حكمة الرجل وهدوء تعاطيه مع الاستفزازات والمخططات، نجح في تفكيك الألغام السياسية والأمنية بصمت.
استطاع احتواء الفوضى والمؤامرات الممنهجة التي كانت تطلقها جهات عدة بهدف تعطيله وجر العاصمة إلى مربع الاقتتال
ثانيا عند الحديث عن التدهور الاقتصادي، يجب توخي الدقة الدبلوماسية والمسؤولية القانونية:
الوضع الاقتصادي المتردي هو أزمة عامة وشاملة تضرب البلاد بأكملها، وليست ناتجة عن إدارة محلية محددة.
الحكومة هي من تتحمل المسؤولية القانونية والدستورية الكاملة عن هذا التدهور، نظراً لغياب الخطط السيادية والتدخلات التي أدت إلى تجريف الإيرادات الموردة من عدن إلى البنك المركزي، وعرقلة الحلول المستدامة.
ثالثاً: رغم الصلاحيات المحاصرة وتركة الفساد، بدأت تظهر تغيرات ملموسة على الأرض تؤكد أن الجهود بدأت تثمر:
حماية الحق العام: إيقاف الاعتداء الممنهج على الأراضي العامة، ومطالبة القضاء والنيابة بفتح ملفات الفساد، وخاصة نهب ممتلكات الدولة.
إنهاء بعض الأزمات الحادة التي وصلت ذروتها سابقاً وتمس حياة المواطن اليومية، كأزمة الغاز المنزلي.
كشف أوجه الفساد الصارخة التي تسببت في تعطيل قطاع الطاقة، وتحديداً دور وزارة المالية وتدخلات الحكومة في عرقلة هذا الملف.
رابعاً:
إن تمسك المحافظ في صلاحياته وتمكينه من صلاحيات أوسع هو دعوة لمواجهة الواقع الجديد الذي تحكمه مافيات سياسية وتجارية متغلغلة،
وهو ما يستوجب علينا فهمه و يتطلب منا تعزيزه ودعم جهوده
إلى جانب الاستحقاقات التي أمامه ومنها العمل على محورين:
المراجعة الإدارية الشاملة: التخلص من الشخصيات والمسؤوليات الشكلية التي لا قيمة لها في هيكل السلطة المحلية، ومراجعة كفاءة الكوادر من الوكلاء والاستشاريين وفق معايير النزاهة والخبرة الحقيقية.
بلورة رؤية اقتصادية للنهوض بالعاصمة، توازيها رؤية سياسية مرنة تساعد على تحييد الصراعات الحزبية عن الوظائف العامة وإدارة الخدمات الأساسية.
الخلاصة
إن واقع عدن المرير، لا يكون بالاستسلام للمافيات أو إعطاء اهتمام بما تدفع به مافيات الفساد السياسي والتجاري، من خلال استغلال طفح المجاري من ذبابها الإعلامي ، للتشويه والتشهير والاتهامات
بل بفرض علينا واقع جديد يلتف فيه الجميع حول نقاط النجاح، والضغط لانتزاع كامل الصلاحيات لإنقاذ العاصمة.
واذا كان هناك ما يستحق النقد أو المطالبة فيجب أن يستند إلى الوثائق والدلائل …مع أهمية قراءة الواقع بشكل صحيح








