تزييف الوعي أم تصفية حسابات؟ قراءة في الحملات الموجهة ضد محافظ عدن

27 يونيو 2026آخر تحديث :
تزييف الوعي أم تصفية حسابات؟ قراءة في الحملات الموجهة ضد محافظ عدن
محمد علي الحريبي

في ظل المنعطف السياسي والدقيق الذي تمر به بلادنا، وتحت غطاء دغدغة عواطف البسطاء بشعارات “مكافحة الفساد”، تنطلق حملات إعلامية موجهة ومطابخ رقمية ممنهجة تستهدف محافظ العاصمة عدن. ولأن تزييف الوعي هو السلاح الأخير لقوى النفوذ، وجب علينا كصحفيين وحقوقيين تفكيك هذه الادعاءات ووضع النقاط على الحروف عبر قراءة موضوعية وقانونية صارمة:

أولاً: المنظور القانوني لـ “الاتهام دون دليل”
من المستقر عليه في مبادئ العدالة والقوانين النافذة أن المتهم بريء حتى تثبت إدانته؛ وأن توجيه الاتهامات جزافاً في الفضاء الإلكتروني دون الاستناد إلى وثائق رسمية وأدلة قطعية ثبوتية، لا يندرج مطلقاً تحت مظلة حرية التعبير أو النقد البناء. إن هذا السلوك يُشكل جريمة تشهير وقذف كيدي مكتملة الأركان تلاحق أصحابها قانونياً، وهي محاولة مكشوفة للالتفاف على مؤسسات الرقابة الرسمية واستبدال ساحات القضاء بـ “محاكم فيسبوكية” غرضها الابتزاز.
ثانياً: الإجراءات الحمائية للمال العام كمحرك للصراع
تُشير القراءة الفاحصة لطبيعة وتوقيت هذه الحملات إلى أنها جاءت كردة فعل عكسية من قِبل جهات وقوى سياسية تضررت مصالحها المباشرة جراء حزمة التدابير الشجاعة التي اتخذها المحافظ للحد من استنزاف الموارد وتجفيف منابع الفساد، والتي شملت:
ترشيد الإنفاق وإيقاف الهدر المالي المشرعن: عبر مراجعة وإيقاف بنود صرف عبثية كانت تُبدد مئات الملايين شهرياً لجهات متعددة وناشطين إعلاميين، وهي مخصصات كانت معتمدة كأعطيات وهبات إبان عهد المحافظ السابق أحمد لملس.
حماية أصول الدولة (ملف الأراضي): الوقف الفوري لعمليات صرف وتخصيص الأراضي العشوائية التي شابتها اختلالات واسعة، وهو الإجراء الذي داس على عش الدبابير وأربك شبكات المصالح غير المشروعة لهوامير العقارات.
ثالثاً: تحديات التركة الإدارية المتآكلة
تواجه قيادة المحافظة الحالية تحدياً بنيوياً كبيراً يتمثل في وراثة جهاز إداري يعاني من ترهل وفساد مؤسسي متراكم على مدى سنوات طويلة؛ وهو الفساد عينه الذي بحت أصواتنا جميعاً ونحن نصرخ منه وممن تسببوا فيه وطالبنا باجتثاثه. إن عملية الإصلاح الهيكلي ومحاربة هذا الإرث المتجذر لا تتم بلمحة عين، بل تتطلب معارك كسر عظم مع شبكات نفوذ متغلغلة ترى في النظام والقانون تهديداً لوجودها.
رابعاً: عودة الاستقطاب الحزبي وتصفية الحسابات
تتزامن هذه الحملات مع مرحلة ملموسة لإعادة تموضع الأحزاب السياسية وعودتها إلى الواجهة. ومن الناحية الحقوقية، يُلاحظ بوضوح محاولة بعض هذه القوى تحويل “ملفات الفساد والجرائم” من قضايا قانونية جنائية إلى أوراق ضغط ومناورة سياسية كيدية لتصفية الحسابات وإزاحة الكفاءات، مما يفرغ شعارات مكافحة الفساد من مضمونها القيمي والأخلاقي.
خامساً: معركة تقويض الصلاحيات الدستورية والقانونية
إننا نتابع بقلق وجود توجه ممنهج من قِبل أطراف في أعلى هرم السلطة التنفيذية، وعلى رأسها رئيس الحكومة، يهدف إلى تقويض ومصادرة صلاحيات المحافظ وعرقلة خطواته الإصلاحية. بدلاً من منح المحافظ صلاحيات أوسع ودعماً استثنائياً لتمكينه من إدارة ملفات الخدمات والتنمية بكفاءة لخدمة المواطن في هذه الظروف الاستثنائية، نرى محاولات مستمرة لتكبيل يديه ووضعه في مرمى السهام الإعلامية الموجهة.