زمن العهر القيمي عندما يصبح الحق مغرمًا والباطل مغنمًا

20 يونيو 2026آخر تحديث :
زمن العهر القيمي عندما يصبح الحق مغرمًا والباطل مغنمًا


بقلم عيدروس المدوري
سُئل أعرابي كيف نعرف أننا في زمن العهر ؟
فقال حين يدفع الناطق بالحق ثمن قوله ويقبض الناطق بالزور ثمن قوله .
لم يكن الأعرابي في إجابته تلك يتحدث بلسان لغوي عابر بل كان يضع يده على الوجع الأزلي للمجتمعات حين تمر بمراحل الانحدار القيمي والفكري العهر هنا لا ينحصر في مفهومه الجسدي الضيق بل هو العهر السياسي والفكري والإعلامي إنه الحالة التي تنقلب فيها الموازين وتتحول فيها المبادئ إلى سلعة رخيصة في سوق النخاسة .
في المجتمعات السوية يُفترض أن تكون كلمة الحق هي الحصن المنيع الذي يحمي الأمة وأن يكون قائلها مكرّمًا لأن النقد البنّاء والصدق هما أساس البناء والإصلاح لكن عندما تتدحرج المجتمعات نحو القاع تصبح حقيقة الأشياء تهمة يُعاقب عليها القانون العرفي والسلطوي .
أن يدفع الناطق بالحق ثمن قوله يعني أن تصبح النزاهة مغامرة غير مأمونة العواقب يدفعها الكاتب بحبر دمه والإعلامي بحريته أو إقصائه والموظف الشريف بمحاربته في رزقه وقوته يصبح الصدق خطيئة تستوجب العزل والتصحيح تمردًا يستدعي العقاب .
في المقابل يزدهر سوق الزور والزور ليس مجرد كذبة عابرة بل هو منظومة متكاملة من النفاق الممنهج وتزييف الوعي وتجميل القبح عندما يقبض الناطق بالزور ثمن قوله يتحول التطبيل والتملق إلى مهنة مدرة للأرباح ويصبح بيع الوهم للناس تجارة رابحة يتصدر أصحابها المشهد ويُغدق عليهم من الأموال والمناصب ما لا يستحقونه .
هذا القبض ليس ماديًا فحسب بل هو قبض للمكانة والوجاهة والنفوذ على حساب تدمير الوعي الجمعي وإغراق المجتمع في الأزمات .
إن أخطر ما ينجم عن هذا الزمن هو تجريف العقول وغياب أدوات الرقابة الحقيقية سواء كانت رقابة مؤسسية أو ضمائرية حين يُغيب أصحاب الكفاءة والضمير الحقيقيون ويُفسح المجال للمرتزقة والدخلاء تفقد المؤسسات قيمتها وتتحول إلى هياكل خاوية لا تخدم إلا مصالح القائمين على الزور .
إن مواجهة زمن العهر القيمي لا تكون بالصمت المستسلم بل بالإصرار على تدوين الحقيقة ودعم الأصوات الحرة التي ترفض أن تبيع مواقفها في أسواق المزايدات التاريخ يثبت دائمًا أن الممالك والدول التي بُنيت على الزور والنفاق سقطت تحت وطأة واقعها الهش وأن الكلمة الحرة وإن دفع صاحبها ثمنًا باهظًا اليوم هي التي تبقى منقوشة في جدار الوعي الإنساني لتضيء الطريق للأجيال القادمة .
فالحق قد يغرم صاحبه مؤقتًا لكن الزور يُفلس بأصحابه حتمًا في نهاية المطاف .