
أتحدث لا عن فكرة، بل عن وجعٍ عشته، عن صراعٍ بين شغفٍ يسكن أعماقي وواقعٍ يطحن كل جميلٍ فينا.
أتحدث عن العلاقة الخفية بين الاستقرار المادي والرياضة، وعن أثر الفقر حين يغزو الحياة فيجعل من الحلم عبئًا، ومن الهواية ترفًا، ومن الشغف جرحًا لا يندمل.
في بلادي، لم يسلم أحد من زلزال الفقر.
تسلل إلى كل بيت، نخر القلوب قبل الجيوب، سرق ضحكات الأطفال قبل أن يسرق قوتهم، وامتدت أنيابه إلى الرياضيين الذين وجدوا أنفسهم فجأة بلا ملاعب، ولا معدات، ولا وقت، ولا حتى روحٍ قادرة على الركض من جديد.
الفقر لا يسرق الخبز فقط، بل يسرق الرغبة في الحياة.
كنت أرى الرياضة متنفسًا، بابًا يطل بي على الحياة الواسعة،
لكن حين ضاقت الدنيا، ضاق معها الوقت، وضاق الجسد، وضاق الحلم.
صار الالتزام بالوظيفة كقيدٍ في معصمي،
والبحث عن لقمة العيش ساحةَ معركةٍ لا ينجو فيها أحد.
وحين يكون الإنسان أسير الحاجة،
يغدو حتى شغفه أسيرًا، يختنق في صدره بصمتٍ لا يسمعه أحد.
أحيانًا أقول لنفسي: لعل الظروف ليست هي المذنبة دائمًا،
فكم من أناسٍ تجاوزوا فقرهم بالمثابرة، وخلقوا من قسوة الواقع مجدًا.
لكننا هنا في وطنٍ أنهكته الحروب،
تُنهب فيه الموارد، وتُغتال فيه الأحلام على أيدي من باعوا ضمائرهم،
ونُقدّم نحن كأكباش فداءٍ باسم الدفاع عن وطنٍ لم يعد وطنًا،
لأن الوطن الحقيقي ليس أرضًا تُداس، بل كرامة تُصان.
تخيلوا كمّ الألم الذي يشعر به صاحب شغفٍ في مكانٍ كهذا؛
أن تمتلك حبّ التصوير ولا تملك كاميرا،
أن تعشق كرة القدم ولا تجد ملعبًا،
أن يفيض قلبك بالحياة، بينما الواقع من حولك يطفئ كل ضوءٍ فيك.
نعم، نحاول أن نتماسك،
أن نبتسم رغم الألم،
أن نؤمن بأن الغد قد يكون أفضل،
لكن الحقيقة أن الشغف حين يُسجن طويلًا يموت ببطء.
أنا اليوم عالقٌ بين فكرتين:
إحداهما تقول إن الإصرار يصنع المعجزات،
والأخرى تهمس لي بأن الواقع أقوى من كل الأحلام الجميلة.
وبين هاتين الحقيقتين أعيش،
أقاوم، أكتب، أتنفس،
وأحاول أن أُبقي على شيءٍ من شغفي حيًّا…
ولو بين أنقاض الوطن.
محمد يوسف النسري
30/أكتوبر/ 2025م








