
في المشهد السياسي الحضرمي كثيرًا ما تتجه الأنظار إلى القوى الكبرى والفاعلين الرئيسيين، لكن ثمة ظاهرة أخرى تتحرك بهدوء خلف الستار :
تحالفات المكوّنات الصغيرة أو محدودة الثقل العددي، التي تبحث عن موقع يضمن لها البقاء والتأثير، هذا النمط من الاصطفاف، الذي يمكن تسميته بـ”حلف الأقليات”، أصبح جزءًا من معادلة القوة في حضرموت، ويظهر أثره في التطورات السياسية والإعلامية المتداولة مؤخرًا، ومنها ما أشيع عن صدور أوامر قضائية بحق بعض قياداته دون تأكيد رسمي حتى الآن .
هذا الحلف ليس كيانًا رسميًا، بل شبكة مصالح تضم شخصيات وكيانات سياسية أو اجتماعية أو اقتصادية لا تمتلك قاعدة جماهيرية واسعة، لكنها تعوّض ذلك بعلاقات قوية مع قوى أكبر أو عبر دعم خارجي مؤثر، هذه القوى تدرك أن وزنها الفردي لا يكفي لمواجهة التيارات الكبرى، فتسعى إلى مظلة حماية تضمن لها التمثيل والوصول إلى الموارد والقدرة على التأثير في القرارات، وهي مدفوعة في ذلك برغبة في حماية مصالح ضيقة في ظل غياب ضمانات للتمثيل العادل، وخوف من التهميش مع صعود مشاريع سياسية كبرى قد تبتلع الفاعلين الصغار، إضافة إلى الاستفادة من التمويل أو الدعم الخارجي الذي يمر عبر التحالف مع قوى ذات نفوذ إقليمي أو دولي .
ورغم أن هذه التحالفات قد تبدو طبيعية في بيئة سياسية معقدة، إلا أنها تحمل مخاطر واضحة، إذ تضعف الموقف الحضرمي عبر تشتيت القرار وإغراق المشهد في تحالفات متناقضة، وتفتح الباب أمام إدخال حضرموت في لعبة المحاور الخارجية بما يجرّها إلى صراعات لا تخدم مصالحها، كما تسهم في تسييس الموارد وتوزيعها على أسس ولاء سياسي بدلًا من الحاجة الفعلية .
من منظور الواقعية السياسية قد يكون “حلف الأقليات” وسيلة بقاء في بيئة مضطربة، لكن من منظور المصلحة العامة فإن أي تحالف يربط مصير حضرموت بجهات خارج قرارها المحلي يشكّل خطرًا على استقرارها ووحدتها، والتحدي هنا يكمن في دمج هذه المكونات ضمن مشروع حضرمي جامع، بدل أن تبقى رهينة التحالفات الظرفية، بما يضمن التمثيل العادل وحماية القرار المحلي، خصوصًا في ظل التطورات المتلاحقة التي تكشف هشاشة المشهد .
وتتداخل هذه الظاهرة مع الأزمة الأوسع التي تعيشها حضرموت، حيث يشكل ملف النفط وإدارة الموارد محورًا أساسيًا للتوتر، فالقوى الصغيرة داخل هذا الحلف، من خلال تحالفاتها وعلاقاتها، تستطيع أن تؤثر على توزيع الموارد أو على القرارات السياسية، بينما يظل المواطن بعيدًا عن الاستفادة المباشرة من ثرواته، هذه الديناميكية تجعل أي تحرك سياسي أو حتى مجرد تسريبات إعلامية ذا أثر مضاعف على استقرار المحافظة ومواردها .
إن “حلف الأقليات” انعكاس لقلق سياسي واجتماعي مشروع، لكنه إذا لم يُدار بحكمة قد يتحول إلى أداة لتفتيت القرار الحضرمي وتشظية الصف الداخلي، والمطلوب صياغة سياسية تضمن تمثيل الجميع مع الحفاظ على أولوية القرار المحلي، وإدماج هذه المكونات ضمن مشروع حضرمي جامع، حتى لا تصبح حضرموت ملعبًا لتحالفات تعيش من الأزمات وتغتذي على الانقسام .








