روح الذاكرة

22 أكتوبر 2021آخر تحديث :
روح الذاكرة
ليال علي

 

تمامًا ، و تزامنًا مع بزوغ روح الفجر الأولى، ألقينا الوداع ذلك الذي يحمل بجعبته الأمل بلقاءٍ دائمٍ و متجدد، تلك الأحضان الفائضة بالشعور الفائض بحد ذاته.. الشعور بالسعادة..التي هي أقرب للإمتنان و تلك الأعين اللامعة، التي تلتمس منها دفئ القلوب رغم تباين حرارتها و برودتها من حين لآخر.

أثناء صعودنا للسيارة ، كان خالي ينتظر و يتأكد من اكتمالنا جميعًا. تقف بجانبه والدتي التي كانت تهمم علينا بالإسراع.. و بينما كانت تفعل ذلك، تناول خالي يديّها و قبّلها بحرارة.. لاحظتُ ذلك و أحسست بفائضٍ من الرحمة و الحب الذي لا يسعنا احتماله، رأيتهما كأخٍ يقبّل يديّ أخته الصغيرة… كم هذا نقي ! نقي و دافئ.. !!

صعدنا للسيارة جميعًا و فور بدء انطلاقنا بتلك السرعة البطيئة… أخرجت رأسي من النافذة و بدأت أودع خالي العزيز..لوح بيده لي و ابتسم لي ابتسامةً عذبة… بل أشد مما يمكننا وصفها به.

نظرت إليه مطولًا .. ابتسامته العذبة، عينيه البنيتين اللامعتين، لحيته الرمادية.. ثغره الباسم أيقظ في روحي ذاكرة عميقة و قريبة الأثر أيضًا.

تمامًا عندما كنت في السابعة من عمري.. وقف وقفته ذاتها في ذات المكان بمختلف الزمان.. عندما كنا بفارق أعمارنا المؤكد.. أصغر، حيث كنت أنا و أسرتي، راحلون إلى حيث كنا نعيش مسبقًا.

أذكر ذلك الوداع.. أنا ذاتها لكن بجسدٍ أصغر… أخرج رأسي و أنا أمسح دموعي الصغيرة و ألاحق شقهاتي المتتالية.. انظر إلى خالي..حيث كان بذات المكان بمختلف الزمان .. أبصر ابتسامته! تلك الابتسامة العذبة ذاتها ، و لم تكن لحيته رمادية حقًا!…آه… ابتسامته.. تلك التي هي أشد مما يمكننا وصفها به..أنا هي ذاتها أبصره بذاكرتي الواقعة بزمنها اللازم لتذكرها .. ينقبض قلبي من فرط الشعور… وترتفع روحي من سعته..ياللحياة..ها نحن هنا حيث تتغير الوداعات و تتغير المسافات.. و سعة الإشتياقات و التي ربما هي بالأغلب تزداد دون أن نعي بها حقًا! وبالطبع الوجهات و الطرق.. و الأماكن و الأوقات.. فقط تبقى الذاكرة..لتظهر بكينونتها الكامنة يومًا ما.

أكمل تأملي في ظل بزوغ الفجر و سماءه المكسية بلون البنفسج الداكن المائل للزرقة.. أتذكر كوبي الورقي المليء بالحليب الدافئ الذي تناولته البارحة، ذكرني ذلك بدفئ أول زيارةٍ زرت فيها صديقتي العزيزة… حتى أنني استدركت طعم السكر ذاته! ..

نعم أنا هنا.. في ظل الذاكرة..
اتذكر و أواصل التذكر حتى خاب أملي بتذكر المزيد و زاد بانتظار رؤية الكثير..
غلبتني المشاعر مجددًا و فاضت عن طورها.. أبصرت كم أن الرحمة أرق ما يمكننا أن نتمسك به و أقسى ما يمكننا أن نملكه… أبصرت كم أننا رقيقون، رقيقون جدًا تجاه القساوة… وقتها دعوت من أعماق قلبي أن يلطف الله بنا برحمته.. لكل من يعاني في ظل مأسي الحياة.. نظرت إلى السماء..وسعتها الواسعة، أحدق مطولًا نحو السماء، وقلبي ينقبض بقوة.. هذه المشاعر هي أوسع ما يمكنها احتمالنا و أضيق مما يمكننا احتمالها نحن.. أشعر بخفة بروحي.. نعم.. خفة مثقلة بطيب الذكرى و عمق الشعور..وقتها أدركت.. أن الذاكرة لا تفنى و تمضي للنسيان بل.. هي حقًا و بحقيقتها تبقى، تنتظر فرصتها الضئيلة.. لتُذكر.

 

ليال علي