الجنوب في قلب الصراع الإقليمي، بين إرادة الشعب وحسابات الجغرافيا السياسية

21 يونيو 2026آخر تحديث :
الجنوب في قلب الصراع الإقليمي، بين إرادة الشعب وحسابات الجغرافيا السياسية
رائد الجحافي

ان الحشود الجماهيرية التي شهدتها عدن والمكلا وسيئون اليوم السبت تعد تعبيراً عن حالة تاريخية عميقة يعيشها الجنوب منذ سنوات طويلة. فحين تتدفق الجماهير إلى الساحات والميادين في لحظة واحدة، فإنها لا تحتج فقط على أزمة خدمات أو على قرار سياسي هنا أو هناك، وإنما تعلن تمسكها برؤية متكاملة لمستقبلها وهويتها السياسية وموقعها في خريطة المنطقة..

لقد جاءت هذه الحشود في وقت يزداد فيه الجدل حول مستقبل الجنوب، وحول طبيعة الترتيبات السياسية التي يجري رسمها في الكواليس الإقليمية والدولية. وبينما تتحدث بعض الأطراف عن تسويات ومقاربات جديدة للأزمة اليمنية، يزداد الشعور لدى قطاع واسع من الجنوبيين بأن قضيتهم الوطنية باتت هدفاً لمحاولات الاحتواء وإعادة التشكيل بما يتوافق مع حسابات القوى النافذة أكثر مما يتوافق مع تطلعات السكان على الأرض، خصوصاً بعد الأحداث الأخيرة التي شهدها الجنوب نهاية العام المنصرم..

وفي الواقع، لا يمكن فهم ما يجري في الجنوب بعيداً عن موقعه الجغرافي الفريد. فالجنوب ليس مجرد مساحة جغرافية تقع على أطراف الجزيرة العربية، بل يشرف على أحد أهم الممرات البحرية في العالم، وهو مضيق باب المندب الذي يمثل شرياناً حيوياً للتجارة الدولية وحركة الطاقة العالمية. ومن هذا المضيق تمر سنوياً مئات السفن التجارية وناقلات النفط التي تربط بين الشرق والغرب، ما يجعل أي اضطراب أمني أو سياسي في هذه المنطقة ذا تأثير يتجاوز الحدود المحلية ليصل إلى الاقتصاد العالمي بأسره..

هذه الحقيقة الجيوسياسية جعلت الجنوب محل اهتمام القوى الإقليمية والدولية منذ عقود، لكنها في الوقت ذاته جعلته ساحة لتضارب المصالح والنفوذ. فبينما يرى أبناء الجنوب أن قيام دولة مستقلة ومستقرة وقادرة على إدارة هذه الجغرافيا الحساسة من شأنه أن يعزز الأمن البحري الدولي ويحمي أحد أهم طرق التجارة العالمية، تنظر بعض القوى إلى هذا الاحتمال من زاوية مختلفة، خشية أن يؤدي ظهور دولة ذات سيادة كاملة على هذه المنطقة الاستراتيجية إلى إعادة تشكيل موازين القوة والنفوذ في المنطقة..

لقد أثبتت الأحداث التي شهدتها المنطقة خلال السنوات الأخيرة أن الفراغ السياسي والأمني في محيط باب المندب يهدد العالم بأسره. فاضطراب الملاحة البحرية، وتصاعد التهديدات الأمنية، وتكرار الهجمات التي استهدفت السفن التجارية، كلها مؤشرات تؤكد أن غياب الدولة الفاعلة في هذه المنطقة الحساسة أصبح يمثل تهديداً مباشراً للاستقرار الدولي. ومن هنا تبرز أهمية وجود كيان سياسي مستقر وقادر على حماية الممرات البحرية وضمان أمنها بعيداً عن الفوضى والصراعات المفتوحة..

غير أن قضية الجنوب لا تتعلق فقط بالموقع الجغرافي، بل تمتد إلى مسألة الأمن والاستقرار الإقليميين. فالتجارب الحديثة أثبتت أن غياب الدولة الوطنية القادرة على بسط سلطتها يخلق فراغاً تستفيد منه التنظيمات المتطرفة والجماعات المسلحة وشبكات الجريمة المنظمة. وكلما ضعفت مؤسسات الدولة، اتسعت المساحات التي تتحرك فيها هذه الجماعات، وتحولت إلى مصدر تهديد دائم للدول والمجتمعات..

ومن هذا المنطلق، فإن قيام دولة جنوبية مستقلة ومستقرة يشكل ركيزة مهمة في جهود مكافحة الإرهاب والتطرف. فالدولة التي تمتلك مؤسسات أمنية وعسكرية محترفة وقادرة على فرض القانون تستطيع تجفيف منابع العنف وإغلاق البيئات التي تسمح بانتشار التنظيمات المتشددة..

لكن المفارقة التي باتت واضحة أمام العيان تكمن في أن بعض القوى الإقليمية باتت تتعامل دائماً مع الجماعات المتطرفة باعتبارها أوراقاً يمكن توظيفها في إدارة الصراعات وتحقيق التوازنات السياسية ومواجهة الخصوم. ولهذا فإن مشروع بناء دولة مستقرة وقادرة على إنهاء هذه الظواهر قد لا ينسجم دائماً مع حسابات الأطراف التي اعتادت الاستفادة من حالة الفوضى أو توظيفها لتحقيق مصالحها الخاصة..

ولعل هذا ما يقود إلى جانب آخر من المشهد، يتمثل في اقتصاد الحروب والفوضى. فاستمرار الأزمة اليمنية لعقود، واستمرار حالة اللادولة والانهيار المؤسسي، تحول بالنسبة للبعض إلى مصلحة قائمة بذاتها. ففي بيئات الفوضى تزدهر شبكات تهريب السلاح والمخدرات، وتتوسع الأسواق السوداء، وتتراكم الثروات لدى أمراء الحروب وتجار الأزمات الذين ترتبط مصالحهم باستمرار الصراع أكثر من ارتباطها بتحقيق السلام..

إن استمرار الوضع الراهن لا يخدم الشعوب التي تدفع ثمن الحرب والانهيار، بل يخدم بالدرجة الأولى شبكات المصالح التي نشأت في ظل الفوضى. ولذلك فإن أي مشروع حقيقي لبناء دولة مستقلة ذات سيادة ومؤسسات فاعلة يشكل تهديداً مباشراً لتلك الشبكات التي راكمت نفوذها وثرواتها في ظل غياب القانون..

ومن هنا يمكن فهم جانب من المقاومة التي تواجهها مشاريع الاستقرار وبناء الدولة. فالقضية هنا ترتبط بمصالح اقتصادية وأمنية معقدة تتشابك فيها حسابات الداخل والخارج. غير أن المفارقة الكبرى تكمن في أن قيام دولة مستقرة في الجنوب لا ينبغي أن ينظر إليه بوصفه تهديداً لدول الجوار، بل باعتباره فرصة استراتيجية لتعزيز الأمن الإقليمي..

فالمملكة العربية السعودية ودول الخليج العربي ستكون من أكثر الأطراف استفادة من وجود دولة مستقرة وقادرة على حماية حدودها ومياهها الإقليمية ومكافحة الإرهاب والتصدي لعمليات التهريب والجريمة المنظمة. كما أن استقرار الجنوب من شأنه أن يسهم في حماية طرق التجارة والطاقة ويعزز أمن البحر الأحمر وخليج عدن، وهي مصالح حيوية تتقاطع فيها مصالح دول المنطقة مع مصالح المجتمع الدولي..

إن التحدي الحقيقي الذي يواجه المنطقة اليوم يكمن في كيفية إنها الأزمات من جذورها.. فالتاريخ يعلمنا أن الشعوب قد تتعرض للضغوط والتهميش، لكنها لا تتخلى بسهولة عن القضايا التي تعتبرها جزءاً من هويتها ومستقبلها. كما يعلمنا أن الاستقرار المستدام يبنى عبر حلول سياسية تعالج الأسباب الحقيقية للصراعات وتحترم إرادة الشعوب وحقها في تقرير مستقبلها..

وفي هذا السياق، تبدو الحشود الجماهيرية التي شهدتها مدن الجنوب اليوم رسالة تؤكد أن القضية الجنوبية ما تزال حاضرة بقوة في الوعي الشعبي، وأن أي محاولة لتجاوزها أو التعامل معها بوصفها ملفاً ثانوياً لن تؤدي إلا إلى إطالة أمد الأزمة وتعقيدها. فالمستقبل دون شك تصنعه إرادة الشعوب عندما تتحول إلى حقيقة سياسية يصعب تجاهلها أو القفز فوقها..