سما نيوز

في فخ الذاكرة: تكرار الأخطاء وهاشاشة الاستيعاب

.

ليس ثمة ما هو أشد إيلاماً من رؤية “المستقبل” وهو يُساق مكبلاً بأغلال “الماضي”. إن ما يشهده الجنوب اليوم ليس مجرد تباين في الرؤى، بل هو انزلاق خطير نحو “فرزٍ ” مقيت، يُعيد استنساخ صراعات عفا عليها الزمن، وكأننا لم نتعلم من فصول الدم إلا كيف نفتح جراحها من جديد.
إن الفرز الحقيقي الذي ننشده، والذي يليق بكرامة الإنسان، يجب أن يقوم على قيم أخلاقية وإنسانية ووطنية عابرة للمصالح الضيقة، لا على تبعيات خارجية تسلبنا الإرادة، أو أيديولوجيات خشبية تجعل منا مجرد “بيادق” في رقعة شطرنج دولية. نحن اليوم نغرق في فخ استرداد ثارات (جبهة التحرير) و(الجبهة القومية)، في معركة لم تعد تعنينا، ولا صلة لها بمفاهيم الحكم الرشيد أو العدالة الاجتماعية.
حين أتأمل الوجوه التي تُدفع اليوم إلى الواجهة، وأدقق في تلك “الأدوات” التي يُراد لها أن تقرر مصير شعب، وأركز في عمقها الأخلاقي والوطني.. أجد نفسي مصدوماً. ثمة فجوة سحيقة بين عدالة “القضية” التي نحملها، وبين “الأخلاق” التي تمارسها بعض تلك الأدوات. نحن نحمل قضية وُلدت من رحم فشل شراكة غُدر بها، لكننا اليوم نكاد نفقد بوصلتنا الأخلاقية في زحام التبعية.

هنا أتوقف لاسقط كل هذا في القصة لاكتشف اين الخلل

كانت الأرض في البدء حلماً، وكان الاتفاق بين “ثابت مثنى” و”عبده حمود” يبدو كعقدِ أخوةٍ لا ينفصم. “ثابت”، بسبعين فدان الخصبة وأسرته الصغيرة، كان يسير بخيلاء من يظن أنه امتلك ناصية القدر، رآى نفسه “المهندس الأذكى” الذي سيستخدم تعب الآخرين ليعزز ملكه. بعد إقصاء اخوته لم يرَ في أرضه تربةً تحتاج رعاية، بل “عرشاً” يحتاج حاشية، فأراد أن يكون “السيد المالك الوحيد
لهذا لابد من الشراكة ليصبح السيد
” الذي يأمر، وترك لـ “عبده حمود” دور “الأجير” الذي ينفذ.
اقترح ثابت على “عبده” بحذر: “لنكن شركاء في الإدارة
قال عبده : (فيدرالية)، ولكل منا خصوصيته”،
لكن “ثابت” الذي كان مثقلاً بوهم القوة، أصر بصوتٍ جهوري: “بل اندماجية، أنت المدير وأنا النائب”. أراد ثابت الهرب من ضغط إخوته الذين أقصاهم وظلمهم يوماً، فظن أن صهر أسرة عبده الكبيرة في بوتقته سيجعل منهم أذرعاً تعمل لحسابه، ولم يدرك أن الكثرة “طوفان” ينتظر لحظة التمرد.

أما “عبده حمود”، فقد كان يمتلك دهاء الصامتين. تظاهر بالمسكنة والطاعة، وقبل بالفتات في البداية، لأنه كان يعلم أن مفاتيح القوة ليست في الورق، بل في “الانتشار”. كان يلعب بذكاء على نقاط ضعف ثابت: غروره، استعلاؤه على أهله، ورغبته في الراحة يعشق الشمبانيا والبيرة .
جاءت اللحظة التي ظن فيها ثابت أنه أحكم السيطرة، حين اقترح تقسيم المهام: “سأضع قلة من أولادي في أطراف أرضك يا عبده، وأنت أعطني قلة من أولادك ليكونوا تحت نظري في أرضي السبعين”. ابتسم عبده ابتسامة باهتة؛ لقد كان هذا التقسيم “عملية اختراق” لا دمج. أصبح أولاد ثابت القلّة رهائن معزولين في أطراف بعيدة، بينما اندسّ أبناء عبده في قلب أرض ثابت، ليكونوا “رأس الحربة” والمخبرين.
يوم الانكسار والمجارف الغادرة:
في صباحٍ مغبر، وبينما كان أبناء ثابت يحرثون الأرض بعرق جبينهم، تحولت “المجارف” فجأة إلى أدوات بطش. لم تكن معركة عادلة، بل انقضاضاً مدروساً. تحرك أبناء عبده وزوجاته كجسد واحد، وظهر دهاء عبده الأكبر بفتح الباب لإخوة ثابت المظلومين، قائلاً لهم: “أنا جئت لأحرركم من أخيكم الغاصب، الأرض لكم.. لكن تحت إشرافي”.
بهذا التحالف غير المقدس، وجد ثابت نفسه غريباً في سبعين فدانه. كثرة عبده، مع غلّ الإخوة المقصيين، حطموا برج وهمه. أُجبر “ثابت” على الرحيل، وحلّ إخوته مكانه بصلاحيات “حراس أمن” لا ملاك، أما أبناء عبده فقد أُمروا بالعودة للبيوت لتبقى السيادة لـ “عبده” وحده.
النهاية المرة:

قالت لثابت زوجته وهي تجمع ما تبقى من متاعهم:
“يا ثابت، شفت كيف نصحتك؟
ظننتَ أنك ذكي حين أقصيت أهلك واعتمدت على الغريب، ولم تدرك أن الغريب لا يحرس أرضاً ليست له إلا ليمتلكها. اليوم، خسرنا السيادة، وأصبح أبناؤنا الذين حلمتَ لهم بالعز مجرد أسماء في كشوفات التقاعد القسري”.والتشريد

الخاتمة
إن قضيتنا عادلة، تماماً كحق “ثابت” في أرضه، لكنها قضية لن تنتصر طالما بقيت القلوب مشحونة بالإنانية و بالتبعية والفرز الإيديولوجي. إنها تحتاج إلى “ضمير ثابت” ليعود، لاخوته لا ليعاديهم ، بل ليصلح ما أفسده مع إخوته، وليستعيدوا معاً كرامة الأرض بعيداً عن كيد “عبده” وأطماعه.