تذكرة عبور إلى “جمهورية النفاق”

14 فبراير 2026آخر تحديث :
تذكرة عبور إلى “جمهورية النفاق”
محمد علي الحريبي

ذات يوم ، قال لي أحد دهاه المال: “لن تجني من مبادئك إلا العدم، أنت عصيٌّ على الترويض، بينما العالم من حولك يرقص على إيقاع الانتهازية”. كانت كلماته تقرع في رأسي كجرس إنذار في مدينة مهجورة.
نظرتُ إلى حالي، فوجدتني “محلك سر”، أراقبُ الوجوه وهي تتبدل كفصول السنة، والذمم وهي تُباع في أسواق النخاسة السياسية.
كم تمنيتُ للحظة أن أمتلك مرونة ذلك الزميل “المسؤول”، الذي حوّل مكتبه إلى مسرح للدمى؛ يرفع صورة “الرئيس” رشاد العليمي حين يطرق بابه وفدٌ شرعي، وبخفة حاوٍ، يقلبها لتظهر صورة القائد “عيدروس” حين تلوح في الأفق راية الانتقالي! كان يبيع الولاء بالقطعة، ويشتري المناصب بالجملة. أما أنا، فبقيتُ غريباً في واقعٍ يتناقض مع فكري، وسلوكاً لا يشبه روحي التي تأبى تقبيل أيادي الفساد أو مدح “الأصنام” البشرية.

قلتُ لنفسي: “لا بد من المحاولة.. لنتدرب على فن المجاملة المرّ، علّ عجلة الحياة تدور.”
كانت “حقل تجاربي” الأول هو مقعد الحلاق البسيط. دخلتُ عليه بوجهٍ لم يألفه،
قلت له: بلهجة مغموسة بـ”زيت النفاق”
“يا صاحب المقص الذهبي، لا تطمئن روحي إلا تحت شفرتك، أنت فنان لا يُشق له غبار!”.
والحقيقة المرة التي ابتلعتها، أنني لا آتيه إلا لأن تسعيرته هي الأرخص، ودائماً ما كانت تشب بيننا الحروب حول تفاصيل قصّته الخشنة.
انفرجت أساريره، وقال بزهو: “تفضل يا دكتور”. ورغم أنني لست دكتوراً، إلا أنني ابتلعتُ اللقب بصمتٍ مخجل. بدأ العمل، وفتح مسجله وصدحت في الأرجاء “شيلات” تمزق آذاني و ذوقي الفني وتصيبني بالغثيان، فابتسمتُ كاذباً وقلت: “يا لذوقك الرفيع.. فنٌ يلامس الوجدان!”.

حلّق الرجل بعناية “دبلوماسية” هذه المرة، وشعرتُ بنشوة النجاح الأول في مدرسة التملق. وحين انتهى، مددتُ يدي بالمبلغ المعتاد، لكنه استوقفني ببرود: “هناك زيادة في السعر يا دكتور”.
صدمتني التسعيرة ، سألته عن السبب، فأجاب بثقة : “أنت تعلم أن وقتي أصبح مزحوم والكل يريد صاحب المقص الذهبي.الذي هوا انا كان يشير بيده إلى صدره وهو يقول أنا أنا
وقال مبتسما الاحتراف له ثمن، الزيادة ألفا ريال!”

هنا، انفجر “فيوز” الصبر في عقلي، وسقط قناع النفاق الذي ارتديته قسراً. صرخت به: “أقسم بالله يا .🚫… أنني لا آتيك إلا لأنك الأرخص هل تفهم الأرخص وقلت له ، أي مقص ذهبي وأي فن؟!
خذ حقك، ولا تشوف وجه ، يراك بعد اليوم!”.
ردّ عليّ ببرود يحمل سخرية القدر: “لا أحد أجبرك

فالتفت نحوه وانا خارج من الصالون ، لدي سؤال.اخير . لماذا ناديتني بالدكتور؟”.
قال : “ناديتك دكتوراً لأنك وصفت مقصي بالذهبي.. هنا خبطت راسي بيدي
الحقيقية .
كلانا كان وهماً بعناه لبعضنا البعض”

خرجتُ من صالونه أجرّ أذيال الخيبة، أتحسس جيبي الذي نقص، وكرامتي التي خدشتها المحاولة الفاشلة. أدركتُ حينها أن النفاق مهنة تحتاج إلى “جلد سميك” وقلب ميت، وأنا -للأسف أو لحسن الحظ- لا أمتلك أياً منهما. لقد خسرتُ المال في أول تجربة للنفاق، فكيف سأتحمل خسارة نفسي في “سوق الكبار”؟