حقوق الإنسان في لحج… جهود ميدانية تُصارع التهميش وتطالب بالإنصاف

31 يناير 2026آخر تحديث :
حقوق الإنسان في لحج… جهود ميدانية تُصارع التهميش وتطالب بالإنصاف
سمانيوز/تقرير/ياسر منصور

في وقتٍ تتعاظم فيه الحاجة إلى خطاب حقوقي صادق ومسؤول، وتشتد فيه التحديات التي تمس جوهر الكرامة الإنسانية، تبرز مديرة مكتب حقوق الإنسان بمحافظة لحج كنموذجٍ لعملٍ ميداني صعب، يُؤدَّى في ظروف استثنائية، وبإمكانات شبه معدومة، لكنه يستند إلى قناعة راسخة بأن الحقوق ليست ترفًا، بل ركيزة أساسية لأي حوار أو سلام أو استقرار.
إن هذا التقرير موجّه لكل مسؤول معني، ولكل جهة وصنّاع قرار، لإحاطتهم علمًا بحجم الجهود التي تُبذل داخل هذه المحافظة والدور الحقيقي الذي تضطلع به في رصد الانتهاكات، والدفاع عن الحقوق، وحماية الفئات الأضعف في المجتمع، بعيدًا عن الأضواء، وفي مواجهة ضغوط وتحديات جسيمة.
الحوار لا ينجح دون حقوق
إن أي حوار وطني أو مجتمعي، لا يمكن أن يُكتب له النجاح ما لم يُبنَ على أساسٍ صلب من احترام الحقوق الإنسانية، دون انتقائية أو إقصاء. فالحقوق تشمل المرأة، والطفل، والأسير، والنازح، وكبار السن، والمهمشين، وكل من طالته يد الانتهاك أو الظلم. ومن هنا، فإن إدماج البُعد الحقوقي في أي لجنة حوار أو فريق متحاور، لم يعد خيارًا، بل ضرورة أخلاقية وقانونية.
وفي هذا السياق، تأتي الإشارة الصريحة إلى الأستاذ فالح الشهراني، لما له من دور مؤثر ومهم، ولما يُنتظر منه في اعتماد هذا التوجه داخل لجنة الحوار والمتحاورين، والنظر بجدية إلى التقارير الحقوقية، والاهتمام بالجهات الميدانية التي تقوم بالرصد والتوثيق، باعتبارها عين المجتمع وصوته الحقيقي.
حياة الرحيبي… سيرة نضال حقوقي بصمتٍ وشجاعة
تُعد الأستاذة حياة الرحيبي واحدة من أبرز الوجوه الحقوقية في محافظة لحج، وهي تشغل منصب مدير عام مكتب حقوق الإنسان بالمحافظة، إلى جانب رئاستها لمبادرة نساء لحج للسلام، وهو موقع يجمع بين المسؤولية الرسمية والالتزام الإنساني.
تم تعيينها في العام 2010 مديرًا عامًا لتنمية المرأة بمحافظة لحج بقرار من رئيس مجلس الوزراء، وهو قرار ثُبّت بحكم قضائي نهائي مكّنها من ممارسة مهامها. وفي العام 2017 صدر قرار بتعيينها مديرًا عامًا لمكتب حقوق الإنسان بمحافظة لحج، لتبدأ مرحلة أكثر تعقيدًا وخطورة في مسيرتها المهنية.
التحقت الرحيبي أيضًا بالعمل ضمن اللجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان، حيث عملت كباحثة ميدانية، وأسهمت في توثيق العديد من القضايا والانتهاكات في محافظة لحج، من خلال النزول الميداني المباشر، وجمع الشهادات، وإعداد التقارير.
عمل ميداني في أخطر الملفات
منذ تاريخ تعيينها في 27 مايو 2017، كرّست الأستاذة حياة الرحيبي جهدها لمتابعة:
أوضاع السجناء والمحتجزين.
تفقد السجون وأماكن الاحتجاز.
متابعة قضايا الأحداث داخل السجون.
رصد وتوثيق انتهاكات حقوق الإنسان بشكل مستمر.
استقبال البلاغات والشكاوى من المواطنين.
إعداد تقارير حقوقية تسلط الضوء على الانتهاكات، رغم غياب أي حماية أو دعم مؤسسي.
كما كان لها دور فاعل في قضايا النازحين، حيث نفذت نزولات ميدانية إلى مخيمات النزوح، وأسهمت في معالجة العديد من القضايا الإنسانية، إلى جانب تبنيها لقضايا النساء، والدفاع عن حقوقهن، ومناصرة الفئات المهمشة، والوقوف إلى جانبهم في وجه الظلم والانتهاك.
وشاركت الرحيبي في العديد من المسيرات والوقفات الاحتجاجية السلمية، المناصرة للحقوق، سواء ضد التعسفات الإدارية أو الاعتقالات التعسفية أو غيرها من الممارسات المخالفة للقانون.
تهميش ممنهج وضغوط قاسية
ورغم حجم الدور والمسؤوليات التي تضطلع بها، والتي تفوق بكثير توصيفها الوظيفي، إلا أن الأستاذة حياة الرحيبي لم تنل حقها الوظيفي أو المعنوي منذ العام 2017، وتعرضت لتهميش واضح، ومحاولات متعمدة لإقصائها عن المشهد.
كما واجهت مضايقات من جهات أمنية وإدارية، ومحاولات للنيل من سمعتها وإظهارها بصورة لا تليق بمكانتها، فضلًا عن تعرضها للعنف والاعتداء والاحتجاز بسبب نشاطها الحقوقي، ولا تزال حتى اليوم تتعرض لمحاولات تضييق وإفشال لعملها.
امرأة في الصف الأول
ما يميز تجربة حياة الرحيبي أنها كانت المرأة الوحيدة تقريبًا التي واصلت العمل الحقوقي الميداني في ظروف بالغة القسوة، وتحمّلت انتهاكات طالتها شخصيًا، لكنها واجهتها بثبات وشجاعة، واستمرت في أداء رسالتها الإنسانية، إيمانًا منها بعدالة القضية وواجبها تجاه المجتمع.
تعمل الرحيبي دون أي دعم مادي أو معنوي، ودون تكريم أو حماية، ومع ذلك لا تزال حاضرة في الميدان، تدافع عن المظلومين، وتناصر قضايا الناس، في مشهد يعكس معاناة المدافعين عن حقوق الإنسان، خصوصًا النساء.
خلاصة ورسالة
إن استمرار تهميش واستهداف شخصيات حقوقية فاعلة، بحجم وتجربة الأستاذة حياة الرحيبي، لا يمثل ظلمًا فرديًا فحسب، بل يُعد مؤشرًا خطيرًا على واقع العمل الحقوقي، ويستدعي وقفة جادة من الجهات المعنية، ولجان الحوار، وصنّاع القرار.
فالسلام لا يُبنى دون عدالة، والحوار لا ينجح دون حقوق، والكرامة الإنسانية لا تحمى إلا بأشخاص آمنوا بها ودفعوا ثمن الدفاع عنها