لقاء غير معلن في الرياض يبحث تسوية شاملة للأزمة اليمنية وسط تغييب الملف الجنوبي

5 نوفمبر 2025آخر تحديث :
لقاء غير معلن في الرياض يبحث تسوية شاملة للأزمة اليمنية وسط تغييب الملف الجنوبي

سما نيوز / قرير/خاص

في خطوة غير معلنة أثارت اهتمام الأوساط السياسية والإعلامية، كشفت مصادر رفيعة النقاب عن اجتماع سري عُقد مؤخرًا في العاصمة السعودية الرياض، جمع السفير السعودي محمد آل جابر بكلٍّ من وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني، ونائب الرئيس الأسبق الفريق علي محسن الأحمر، إلى جانب ممثل جماعة الحوثيين يحيى الرزامي. الاجتماع، بحسب التسريبات، حمل طابعًا مفصليًا في مسار الأزمة اليمنية، وناقش خارطة طريق لإنهاء الحرب وفتح صفحة جديدة من الحوار الوطني الشامل.

خلفية الحدث وأجواء السرية

يأتي اللقاء في مرحلة من الجمود السياسي والعسكري، بعد شهور من المفاوضات غير المباشرة التي استضافتها سلطنة عُمان، ووسط ضغوط إقليمية ودولية متزايدة على أطراف النزاع للانتقال إلى تسوية نهائية. غير أن ما ميّز هذا الاجتماع هو مستوى السرية والتكتم الذي أحاط به، إذ لم يُعلن عنه رسميًا، ولم تُسرب تفاصيله سوى من خلال قنوات محدودة داخل الدوائر الدبلوماسية.

مصادر دبلوماسية في الرياض أوضحت أن الهدف الأساسي من اللقاء كان توحيد الرؤية السياسية بين الأطراف الفاعلة قبل الانتقال إلى مرحلة التوقيع النهائي في مسقط، مشيرة إلى أن السعودية تسعى لتأمين توافقات داخلية تسبق أي اتفاق إقليمي أوسع. ويبدو أن آل جابر لعب دور الوسيط الضامن لتقريب وجهات النظر بين ممثلي الحكومة والحوثيين، مع حضور شخصيات رمزية من تيار الإصلاح والعسكريين السابقين، ما أعطى الاجتماع طابعًا سياسيًا مركّبًا.

وحدة اليمن كشرط تفاوضي

ووفقًا للمصادر ذاتها، فقد تمسك ممثلو جماعة الحوثي وحزب الإصلاح بشرط أساسي للمضي في الاتفاق، يتمثل في الالتزام الصارم بوحدة الأراضي اليمنية كضمانة سياسية لا تقبل المساومة. هذا الموقف مثّل نقطة التقاء مؤقتة بين خصمين سابقين، لكنه فتح في المقابل جدلًا واسعًا حول موقع القضية الجنوبية في أي تسوية مقبلة.

يقول مصدر سياسي مطلع إن “الطرفين يعتبران الحديث عن الجنوب في هذه المرحلة تهديدًا لوحدة التفاوض، ويُفضلان تأجيل النقاش إلى ما بعد توقيع الاتفاق النهائي”. ويضيف أن هذا التوجه يحظى بدعم ضمني من بعض الدوائر السعودية التي ترى في التركيز على وحدة الكيان اليمني شرطًا لتثبيت الأمن الإقليمي.

تغييب الجنوب ومخاوف من التهميش

غير أن تصريحات وزير الخارجية اليمني شائع الزنداني عقب الاجتماع أثارت الجدل حين تجاهلت بشكل متعمّد أي إشارة إلى القضية الجنوبية، ما اعتبره مراقبون “مؤشرًا سياسيًا” على توافق ضمني لتهميش الملف الجنوبي. مصادر يمنية قريبة من الحكومة قالت إن هذا الصمت جاء بتنسيق مباشر مع الأطراف الحاضرة في الرياض، تجنّبًا لإثارة خلافات داخلية قد تعرقل المفاوضات.

من جهته، علّق ناشط في المجلس الانتقالي الجنوبي بالقول: “القضية الجنوبية يتم دفعها إلى الهامش مجددًا لصالح تسوية شمالية – شمالية برعاية إقليمية”. وأضاف أن أي اتفاق لا يعترف بحق الجنوب في تقرير مصيره سيُنتج تسوية مؤقتة قابلة للانفجار. هذا الموقف يعكس شعورًا متزايدًا داخل الجنوب بأن العملية السياسية تجري بمعزل عنهم، رغم أنهم الطرف الأكثر تضررًا من استمرار الحرب.

تفسير المسار السياسي الجديد

تحليل اتجاهات التفاوض يشير إلى أن الرياض تحاول هندسة تسوية تدريجية تُبنى على تفاهمات بين القوى الشمالية أولًا، قبل الانتقال إلى ملف الجنوب في مرحلة لاحقة. ويعتبر بعض الخبراء هذا المسار تكتيكيًا، هدفه خلق أرضية توافق بين الحوثيين والإصلاحيين تُمكّن من تثبيت وقف إطلاق النار وتوحيد مؤسسات الدولة، على أن تُناقش قضايا الحكم الذاتي والفيدرالية في إطار وطني أوسع لاحقًا.

خبير في الشؤون الخليجية أوضح أن “السعودية تُفضّل إغلاق الملفات المعقدة بالتدرج، وليس دفعة واحدة، خشية انهيار المفاوضات برمتها”. ومع ذلك، يرى مراقبون يمنيون أن تأجيل القضية الجنوبية يراكم الإحباط ويقوّض فرص السلام المستدام، إذ لا يمكن بناء تسوية وطنية متماسكة دون معالجة جوهر الصراع بين الشمال والجنوب.

ردود الفعل والتداعيات المحتملة

في الأوساط السياسية اليمنية، قوبلت التسريبات بمزيج من الترحيب والريبة. فبينما يرى البعض أن اللقاء يمثل نقطة تحول حقيقية نحو إنهاء الحرب، يعتبره آخرون إعادة تدوير للمشهد السياسي القديم بطريقة جديدة. ومع ذلك، يتفق المراقبون على أن مجرد جلوس ممثلين عن أطراف متناحرة على طاولة واحدة في الرياض يعدّ تقدّمًا رمزيًا مهمًا، خصوصًا بعد سنوات من القطيعة.

أما في الجنوب، فتسود مخاوف من أن تُفرض التسوية من الخارج دون إشراك القوى المحلية في صنع القرار، مما قد يعيد إنتاج الصراع في شكل جديد. أحد المحللين الجنوبيين لخّص الموقف بقوله: “الرياض تُفاوض باسم اليمن كله، لكنها لا تمثل الجنوب. وإذا لم يُضمن صوته في الحل، فلن يكون السلام شاملًا”.

توازن هش في الطريق إلى مسقط

تُظهر الوقائع أن اجتماع الرياض السري ليس مجرد لقاء تفاوضي، بل خطوة محسوبة في مسار إعادة ترتيب الملف اليمني وفق أولويات جديدة. فالسعودية، بوصفها الراعي الإقليمي، تمارس دور الضامن والمهندس، بينما تحاول الأطراف اليمنية إعادة التموضع في خريطة سياسية لم تتضح ملامحها بعد.

لكن الأكيد أن القضية الجنوبية، رغم تغييبها المرحلي، ستظل عنصرًا حاسمًا في أي سلام دائم. فإما أن تُدرج بوضوح في مسار التسوية المقبلة، أو تبقى قنبلة مؤجلة تهدد بتفجير التوافقات الوليدة. وحتى ذلك الحين، يبقى الاجتماع الخفي في الرياض علامة على أن طريق اليمن نحو السلام لا يزال محفوفًا بالمساومات، وإن تحت غطاء “الوحدة الوطنية”.