صراع نفوذ وهوية .. حضرموت بين الانتقالي وحلف قبائل حضرموت

5 أبريل 2025آخر تحديث :
صراع نفوذ وهوية .. حضرموت بين الانتقالي وحلف قبائل حضرموت
ماهر باوزير

في السنوات الأخيرة، شهدت حضرموت تطورات سياسية متسارعة أثرت بشكل كبير على المشهد المحلي، ومع استمرار الصراع على السلطة والنفوذ بين مختلف القوى السياسية في المنطقة، بدأ المجلس الانتقالي الجنوبي يحاول فرض وجوده وتعزيز دوره في حضرموت، لكنه اصطدم بعائقٍ رئيسي تمثل في حلف قبائل حضرموت، ومنذ ذلك الحين، بدأ الانتقالي في اتباع استراتيجيات متعددة لتقليص تأثير هذا الحلف، واستخدم في ذلك أدوات سياسية وإعلامية متباينة، متحولاً من محاولة الاحتواء إلى تصعيد العداء في إطار قاعدة “إما معي أو ضدي”.

في البداية، حاول المجلس الانتقالي الجنوبي احتواء حلف قبائل حضرموت، مدفوعًا بالرغبة في تعزيز شرعيته، كانت هناك محاولات للتقارب عبر تفاهمات واتفاقات سياسية، على أمل أن يتمكن الحلف من الانضمام إلى مشروع الانتقالي، الذي يسعى لتعزيز استقلال الجنوب وتحقيق أجنداته السياسية، ولكن عندما فشلت هذه المحاولات، سواء بسبب التباين في الرؤى أو الاختلاف في المصالح، تحولت الاستراتيجية إلى هجوم مفتوح، هنا، أصبح الحلف القبلي هدفًا للاستهداف الإعلامي والسياسي، حيث دُفع الحلف إلى خانة “العدو” في خطط الانتقالي .

لم يتوقف الأمر عند الهجوم الإعلامي، بل قام الانتقالي أيضًا بالاستفادة من التباينات القبلية التي لا تكاد تخلو منها أي منطقة ذات تركيبة قبلية معقدة مثل حضرموت. فمن خلال استغلال هذه الخلافات، سواء كانت قديمة أو مستجدة، سعى الانتقالي إلى زعزعة تماسك الحلف وتقويض قوته، عبر منصات الإعلام وذبابه الإلكتروني، تم تضخيم الخلافات داخل الحلف وإبرازها في صورة صراع داخلي يتراوح بين الاتهامات بالخيانة والتقاعس عن الوفاء بالوعود، ومع مرور الوقت، بدأت هذه الحملات تؤتي ثمارها، حيث تزايدت التصدعات في صفوف الحلف، مما أضعف موقفه السياسي في المنطقة .

إن هذا الصراع بين الانتقالي وحلف قبائل حضرموت لا يحدث في فراغ، فالإقليم، وبالتحديد القوى الإقليمية مثل السعودية والإمارات، تلعب دورًا بارزًا في هذا الصراع، وبما أن المجلس الانتقالي الجنوبي يحظى بدعم إماراتي، فإن هناك من يرى أن هناك رغبة في إعادة هيكلة السلطة والنفوذ في الجنوب بما يتوافق مع مصالح هذه القوى، إن التدخلات الإقليمية قد تزيد من تعقيد المشهد، إذ يمكن أن يتم استغلال الخلافات الداخلية في حضرموت لتصفية حسابات سياسية بين هذه القوى، مما يفاقم من أزمات المنطقة ويقوض فرص التهدئة بين الأطراف المحلية، بالإضافة إلى ذلك، هناك تأثيرات للتدخلات الدولية عبر دعم الأطراف المتنازعة بطرق قد تكون غير مباشرة، مثل دعم حقوق الإنسان أو الضغط من خلال الأمم المتحدة .

وفي المقابل، تلعب سلطنة عمان دورًا هادئًا في المشهد الحضرمي، خاصة في ساحل حضرموت ومحافظة المهرة، مستندة إلى روابط اجتماعية وجغرافية تاريخية عميقة، ومن خلال قنوات تواصل غير معلنة، تتفاعل مع بعض الشخصيات القبلية والمدنية، في سياق دعم غير مباشر لمسارات التهدئة والحفاظ على التوازن في وجه محاولات الاستقطاب الحاد، ورغم غياب التصريحات الرسمية، يُنظر إلى هذا الدور باعتباره مظلة معنوية غير معلنة تدعم استقرار المنطقة وتُفضّل الحياد على الانحياز .

إلى جانب ذلك، لا يمكن إغفال تأثير الصراع على السلم الاجتماعي والاقتصادي في حضرموت. فالتقسيمات القبلية تزداد تعقيدًا، والشقاق بين أبناء حضرموت قد يهدد الاستقرار الاجتماعي، مما يؤدي إلى تراجع الاستثمارات، وزيادة معدلات الفقر، وتدهور الأوضاع المعيشية، تفاقم الخلافات قد ينعكس على الاستقرار الاقتصادي، الذي يعتبر هشًا أصلاً في ظل الأزمات التي تشهدها المنطقة، حضرموت، مثل غيرها من المناطق، تحتاج إلى الاستقرار السياسي والاقتصادي لدفع عجلة التنمية إلى الأمام، بينما قد يؤدي تزايد التوترات إلى إغلاق الأبواب أمام الفرص الاقتصادية .

في ظل هذا التصعيد، تبرز الحاجة الماسة إلى أساليب حوارية بناءة تهدف إلى تهدئة الأوضاع، الحلول السياسية التي تعتمد على العنف أو التصعيد لن تؤدي إلا إلى مزيد من التباعد والانقسام، وهو ما يضر في النهاية بمصلحة حضرموت ككل، إن تبني أسلوب الحوار والتفاهم بين المجلس الانتقالي وحلف قبائل حضرموت قد يكون الطريق الوحيد للعبور إلى مرحلة من الاستقرار، بل قد تكون تلك التفاهمات نقطة انطلاق لتحقيق مشروع سياسي موحد يعزز من السيادة ويخدم مصالح جميع الأطراف .

صراع القوى في حضرموت لا يقتصر على التنافس السياسي فحسب، بل يتداخل مع الصراعات القبلية العميقة التي قد تؤثر بشكل كبير على المواقف المحلية والإقليمية، إن تحول المجلس الانتقالي الجنوبي من محاولة احتواء حلف قبائل حضرموت إلى استهدافه واستغلال التباينات القبلية يعد اختبارًا مهمًا للمستقبل السياسي في المنطقة، في هذا السياق، تظل الوحدة الحضرية وحفظ الاستقرار الاجتماعي والقبلي هما المعياران اللذان يجب أن يتمسك بهما الجميع، إذا كانت حضرموت تأمل في التقدم والاستقرار، فإن الحوار والتفاهم السياسي، الذي يعتمد على التعددية والتوافق، هو السبيل الأمثل للخروج من هذا المأزق .