يظنُّ بعض الناس أنَّ الذي يتحدث عن حُــبـِّـهِ لوطنه أنه مجرد إنسان عاطفي يحبُّ المكان الذي ولد فيه فحسب ! لا .. فهذا ليس صحيحاً على إطلاقه . لأنَّ حبَّ الوطن كما أنَّ فيه جانباً من العاطفة التي أنشأتها الأرض التي عاش فيها الإنسان، ولعب في أحضانها أيام صباه ، إلا أنَّه مرتبطٌ – أيضا – بالفطرة والغريزة ، وكذلك بالشَّرع الحنيف . فحبُّ الوطن فطرة وغريزة فطر اللهُ عليها المخلوقات، ولذا قال الأصمعي : ” قالت الهند : ثلاث خصال في ثلاثة أصناف من الحيوانات: الإبل تحنُّ إلى أوطانها ، وإن كان عهدها بها بعيدًا ، والطيرُ إلى وكره ، وإن كان موضعه مجدبًا ، والإنسان إلى وطنه ، وإن كان غيره أكثر نفعًا “. وقد صرَّح النبيُّ صلى الله عليه وسلم بشدة حُــبـِّهِ وحنينه لوطنه حين أخرجه المشركون من مكة فقال : ” ما أطيبكِ من بلد، وأحبَّكِ إليَّ ، ولولا أنَّ قومي أخرجوني منكِ ما سكنتُ غَيركِ ” . ولما هاجر النبي صلى الله عليه وسلم إلى المدينة واستوطنها قال: ” اللهمَّ حبِّب إلينا المدينة كحـبِّـنا مكة أو أشد ” , فاستجاب الله دعاءه ، وصار النبي صلى الله عليه وسلم يحبُّ المدينة حباً عظيماً ، وصارت المدينة موطنه الثاني ، فكان رسول الله صلى الله عليه وسلم كما في “صحيح البخاري” إذا قدم من سفرٍ فأبصر درجات المدينة أوضع ناقته ، أي : أسرع بها ، وحثَّ النَّاقة على السُّرعة في السير من شدةِ حُــبـِّـه لموطنهِ الثاني ، وهي المدينة المنورة . قال ابن حجر الهيثمي في “الفتح” معلقاً على هذا الحديث : ” فيه دلالة على فضل المدينة ، وعلى مشروعية حُبِّ الوطن والحنين إليه ” . فحبُّ الوطن – أيها القارئ الكريم – عاطفي وفطري وغريزي وشرعي . والمحبون لأوطانهم الصَّادقون في حبِهم كثير، ولكنْ – مع الأسف – الـمُدَّعون لحبِّ الوطن كثير أيضا !! والذي يُــمــيِّــزُ هذا من هذا هو ما نراه ونلمسه ، فإننا نجدُ الـمُحبَّ الصَّادقَ ساعياً لخدمة وطنه، وتنميته وتقدمه في جميع المجالات ، وقد قيل : بحبِّ الأوطان عمرت البلدان . أما الـمُدَّعون الكاذبون فهم أولئك الخونة لأوطانهم ، السَّارقون لخيراته ، الهادمون لتقدمه وتنميته، فحبُّ الوطن في وادٍ وهم في وادٍ آخر .. نسأل الله السَّلامة ، وأن يطهَّر الوطن منsهم . د. عادل أحمد ناصر