بمناسبة الذكرى السنوية السابعة لمجزرة الضالع التي وقعت في مثل هذا اليوم 27 من شهر ديسمبر عام 2013، الذي صادف يوم جمعة، ارتكب اللواء 33 مدرع المرابط في مدينة الضالع آنذاك بقيادة “المجرم عبدالله ضبعان”، مجزرة في منتهى الوحشية والبشاعة في منطقة سناح ضد حشد كبير من المواطنين المدنيين من أبناء الضالع، أثناء تواجدهم في مجلس عزاء اُقيم من أجل تقديم واجب التعازي والترحم على ارواح مجموعة من الشهداء من أبناء الضالع، حيث تم إطلاق قذائف الدبابات مباشرةً على المواطنين المتواجدين في مجلس العزاء، وسقط من بينهم على الفور 22 شهيداً تناثرت أجسادهم الى أشلاء بالإضافة الى عشرات الجرحى من الشباب والأطفال والشيوخ توفي كثيرٌ منهم متأثراً بجراحه.
ومثّلت تلك المجزرة واحدةٌ من أبشع ما شهدته الإنسانية على وجه الأرض من مجازر قتل وسفك دماء الأبرياء وذلك نظراً للطريقة وللكيفية التي اُرتكبت بها المجزرة، والوسيلة التي اُستُخدِمت في ارتكابها، والدوافع من وراء ارتكابها، وزمان ومكان وقوعها، وهو ما يجعل هذه المجزرة البشعة تُرقى الى مصافِ المجازر والجرائم الشنيعة التي اُرتُكِبت ضد الإنسانية على مدى التاريخ الإنساني كمحرقة “الهولوكوست” التي ارتكبتها القوات النازية ضد اليهود في معسكرات الاعتقال التي نصبها النازيون في المانيا وبولندا خلال الحرب العالمية الثانية، وكذا مجازر القتل الجماعية التي ارتكبتها القوات الصربية ضد المدنيين من مسلمي البوسنه والهرسك خلال حرب الصرب ضد البوسنه عامي 1995/1994، وجرائم القتل الجماعية التي ارتكبتها مجاميع مسلحه من قبيلة الهوت ضد المدنيين من قبيلة التوتسي في أوغندا ، وغير ذلك من مجازر قتل جماعية في بلدان مختلفة من العالم.
“تمثّل مجزرة الضالع- من حيث التكييف القانوني- جريمة ضد الإنسانية، وجريمة إبادة، وجريمة حرب في الوقت ذاته”
كما أنَّ مجزرة الضالع كغيرها من مجازر وجرائم القتل الجماعي التي وقعت في الآونة الأخيرة في اليمن كمجزرة مستشفى مجمع الدفاع “العُرضي” التي ذهب ضحيتها عشرات الشهداء والجرحى من الأطباء والممرضين والمرضى ومرافقيهم، وكذلك مجزرة ميدان السبعين ومجزرة كلية الشرطة اللتان ذهب ضحيتهما المئات من الشهداء والجرحى من العسكريين ورجال الآمن، وكذلك جريمة قتل الشيخ سعد بن حبريش مقدم قبائل الحموم ومرافقيه في حضرموت، وغيرها من جرائم قتل سابقه، فهي جميعها مجازر قتل وحشيه شنيعة .
فمن حيث التكييف القانوني -الوصف القانوني- لمجزرة الضالع وانعقاد الاختصاص القضائي في محاكمة مرتكبي تلك المجزرة، نستخلص الآتي:-
أولاً، من حيث التكييف القانوني تتوافر في مجزرة الضالع التوصيفات القانونية التالية :-
1) جريمة ضد الإنسانية : لأنَّ المستهدف بالقتل هو المواطن الإنسان بسبب ما يُطالب به من حقوق وحريات أساسية منزوعة منه أو منقوصة عليه، كالهوية الوطنية والمواطنة المتساوية والمشاركة في السلطة والثروة وحرية التعبير والرأي ، ومناهضة كافة اشكال التمييز العنصري والمناطقي والقبلي والمطالبة بحقه في أن يعيش حياة حرة وكريمة وآمنة .
2) جريمة إبادة جماعية : لأنَّ المجزرة وقعت على جمع كبير من المواطنين المدنيين أثناء تجمعهم في مجلس عزاء، وكانت وسيلة القتل التي اُستخدمت في ارتكاب المجزرة هي الدبابة حيث اطلقت قذائفها مباشرةً على المواطنين المتجمعين في مجلس العزاء بشكلٍ عشوائي مما أدى الى سقوط عشرات القتلى ومئات الجرحى، والدبابة هي سلاح تدميري إذا استخدمت في قتل تجمعات من البشر فمن شأنها أن تؤدي الى الإبادة الجماعية.
3) جريمة حرب : لأنَّ القوات التي قامت بارتكاب المجزرة بقياداتها العسكرية هي في الأصل قوات حرب غازية أسقطت الوحدة التي قامت سلمياً بين دولتين واجتاحت الجنوب بالحرب التي شنتها عليه عام 1994 واحتلته منذ 7/7 من نفس العام، ورابطت فيه وازدادت أفراداً وعدةً وعتاداً وعاثت في الجنوب فساداً منذ ذلك اليوم ولم تستجب قياداتها السياسية للقرارات الدولية والإقليمية بإيقاف الحرب والجلوس على طاولة المفاوضات لحل النزاع سلمياً بين الطرفين الشريكين في دولة الوحدة.
ولم تنفذ تلك القوات القرارات منذ غزو الجنوب واحتلاله وحتى وقوع المجزرة ولازالت الى الآن، وتفاقمت معاناة ومظالم الشعب في الجنوب مما أدى الى انبثاق حركة احتجاج شعبية واسعه في طول الجنوب وعرضه وتطورت الى ثورة شعبية تُطالب باستعادة دولتهم .
ثانياً، من حيث الاختصاص القضائي للتحقيق في هذه المجزرة ومحاكمة مرتكبيها :
الأصل أنَّ القضاء الوطني هو المختص بالتحقيق والمحاكمة وفقاً للدستور والقوانين النافذة، ولأنَ السلطات المختصة في الدولة لم تقم بواجبها بإلقاء القبض على مرتكبي المجزرة وإحالتهم على القضاء الوطني للتحقيق معهم ومحاكمتهم طبقاً للقانون- رغم علم السلطة بالجهة التي ارتكبت المجزرة- فلذلك فإنَ محكمة الجنايات الدولية وجهاز النيابة العامة التابع لها هما الجهة المختصة للقيام بالتحقيق والمحاكمة في هذه المجزرة وفيما سبقها من مجازر وجرائم قتل سابقة مماثلة لها كمجزرة مستشفى مجمع وزارة الدفاع، ومجزرة ميدان السبعين، ومجزرة كلية الشرطة، وجريمة مقتل الشيخ سعد بن حبريش مقدم قبائل الحموم في حضرموت ومرافقيه وغيرها من مجازر او جرائم قتل سابقة مشابهه لها .
“يكون للمحكمة الجنائية الدولية الاختصاص في محاكمة مرتكبي جرائم الحرب والإبادة في دولة ما في حالتين: عجز سلطات هذه الدولة أو انهيار نظام الحكم فيها”
ومن المعلوم قانوناً أنَّ المحكمة الجنائية الدولية ومقرها العاصمة الهولندية لاهاي ينعقد لها الاختصاص في محاكمة مرتكبي الجرائم ضد الانسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب والحكم عليهم وفقاً للقانون الجنائي الدولي، وذلك استنادا إلى “اتفاقية روما” المُنشأة لهذه المحكمة والتي منحتها اختصاص النظر في مثل هذه الجرائم عند توافر إحدى حالتين:
1- في حالة عجز السلطات والجهات المختصة في الدولة المعنية لأيٍ سببٍ كان عن القيام بواجبها بالتحقيق والمحاكمة في مثل هذه الجرائم .
2- في حالة انهيار الدولة ونظام الحكم فيها .
ففي حالة عجز الدولة عن القيام بالتحقيق وإجراء المحاكمة في مثل هذه الجرائم- لأيِ سببٍ كان- فما عليها إلا أنّ تطلب من المحكمة الجنائية الدولية مباشرةً، أو عن طريق مجلس الأمن الدولي القيام بذلك حتى، وإن لم تكن الدولة المعنية عضواً في المحكمة، أو لم يسبق لها الانضمام الى المحكمة الجنائية الدولية بإصدار تشريع وطني لإنفاذ اتفاقية روما المُنشأة لهذه المحكمة في تشريعاتها الوطنية والمصادقة عليها .
“يتعين على السلطات المختصة في الدولة حالياً أنّ تولي جل اهتمامها وعنايتها بمجزرة الضالع البشعة، ورصد ما سبقها من مجازر قتل أخرى مشابهه لها، وتوثيقها واجراء التحقيقات فيها تمهيداً لإحالتها الى المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة”
وقد سبق للجمهورية اليمنية التوقيع على اتفاقية روما بإنشاء المحكمة الجنائية الدولية عام 1998، التي وُضِعت خلال مؤتمر الأمم المتحدة الدبلوماسي المعني بإنشاء محكمة جنائية دولية الذي انعقد في روما بتاريخ 17يوليو 1998، كما سبق للجمهورية اليمنية أنّ استضافت عام 2004م – في القصر الجمهوري بصنعاء تحت رعاية الأخ رئيس الجمهورية آنذاك – مؤتمراً إقليمياً حول الديموقراطية وحقوق الانسان ودور المحكمة الجنائية الدولية حضره المدعي العام للمحكمة الجنائية الدولية، وبعض المسؤولين في المحكمة ووزراء خارجية الدول الخمس الكبرى، وممثلين عن دول الإقليم، وأمين عام جامعة الدول العربية، وممثل عن الأمين العام للأمم المتحدة، ووفود تمثل منظمة العفو الدولية، ومنظمات دولية أخرى .
وبما أنَّ الجرائم ضد الإنسانية وجرائم الإبادة الجماعية وجرائم الحرب، لا تسقط بالتقادم الزمني، لذلك يتعين على السلطات المختصة في الدولة حالياً وعلى وجه الخصوص اللجنة الوطنية العليا المكلفة بالتحقيق في مثل هذا النوع من الجرائم وفي قضايا انتهاكات حقوق الإنسان عموماً أنّ تولي جل اهتمامها وعنايتها بمجزرة الضالع البشعة، ورصد ما سبقها من مجازر قتل أخرى مشابهه لها، وتوثيقها واجراء التحقيقات فيها تمهيداً لإحالتها الى المحكمة الجنائية الدولية للمحاكمة، باعتبارها جرائم ضد الإنسانية وجرائم إبادة جماعية وجرائم حرب، لا سيما وأن اليمن حالياً تحت الرعاية الدولية والإقليمية بموجب قرارات الشرعية الدولية الصادرة من مجلس الأمن الدولي.
ومما لا شك فيه أن المحكمة الجنائية الدولية بما تملكه من إمكانيات وما تتمتع به من صلاحيات ووفقاً للقانون الدولي الجنائي- ومن خلال مجلس الأمن الدولي- واستناداً الى السوابق الدولية في محاكمة مرتكبي مثل هذه الجرائم في كمبوديا والبوسنه والهرسك ورواندا ولبنان، فهذه المحكمة قادرة بكل تأكيد على تعقب الجناة وإلقاء القبض عليهم ومحاكمتهم وإصدار الأحكام الرادعة في حقهم، وهو ما سيؤدي الى القضاء على الظواهر الاجرامية الخطيرة وتثبيت الأمن والمساهمة في إنهاء الحروب الأهلية وتحقيق السلام والاستقرار في ربوع الوطن، وذلك بدلاً من أّن تكتفي السلطات والمنظمات المختصة في اليمن عند وقوع مثل هذه الجرائم بإصدار بيانات الإدانة والاستنكار والشجب وإرسال برقيات التعازي لأهالي الضحايا، وتشكيل لجان للتحقيق وهو ما لا يجدي نفعاً في القضاء على الإجرام، ووقف النزيف الدموي والاقتتال والحروب الأهلية المأساوية المستمرة في الوطن .
– صفحة الكاتب على فيسبوك
كلمات مفتاحية: جنوب اليمن مجزرة سناح مجزرة الضالع