سما نيوز

قرأت لكم .. القاصة صوفيا الهدار في مجموعتها القصصية (( مرايا من ورق))

قرأت لكم .. القاصة صوفيا الهدار في مجموعتها القصصية (( مرايا من ورق))
أ. كمال محمود علي اليماني

لمجموعة من إصدارات اتحاد أدباء وكتاب الجنوب لهذا العام . تجنيس الكتاب يظهر على غلافه على أنها قصص ، وظهر العنوان فوق التجنيس ، وتحت اسم القاصة ، ( مرايا من ورق) بلون أبيض، وفي الوسط مربع يشير إلى مرآة وفي داخله رسوم لوجوه عدة كلها بعين واحدة في إيماءة لخلل ينتاب هذه الوجوه، وهو ماسيكون موضوع الحكايات المتفرقة في قصص المجموعة، والوجود معادل موضوعي للاختلالات السياسية والاجتماعية والاقتصادية المطروقة في القصص، ولقد رسمت تلك الوجوه باللون الأبيض فوق مربعات ملونة، وهي إشارة تتضافر مع بياض العناوين لتوحي بأن المرايا المقصودة إنما هي القصص التي سيقرأها المتلقي والمكتوبة على صفحات الكتاب البيضاء. والعنوان ( مرايا من ورق ) خبر لمبتدأ محذوف؛ وعليه ففي قصص المجموعة إخبار لأحوال كثيرة لتلكم الوجوه ستتضح من خلال قراءة القصص.
ضمت المجوعة 23 قصة قصيرة تتفاوت في طولها ، فهناك ما هو أقل من صفحة ، وهناك مايأخذ حيز صفحات.
المواضيع المطروقة متعددة، مابين السياسي والاجتماعي والإنساني ، وبالطبع فإن الحرب قد كانت حاضرة بشكل ملفت. وكل القصص تؤكد أن القاصة تكتب قصصها ضمن الرؤية الواقعية.
إدانات عدة تجلت في قصص المجموعة منها إدانات سياسية ، وإدانات للحرب وتبعاتها، وإدانات أخرى للفساد، وإدانات طالت الزوج المتغطرس.
غابت شخصية القاصة كامرأة ، وظهرت شخصية القاصة الإنسان في صورة السارد المتخيل ، فالقاصة تعالج الأحداث والمواقف من وجهة نظر محايدة لاتنتمي لعالم الأنوثة. كما غابت القصص الذاتية وتسيدت الموضوعية قصص المجموعة كلها ، وأرى أن هذا مما يحسب لها.
وفي غالب القصص ، أي في 16 قصة من قصص المجموعة كان السارد غائبا، فهو سارد غير مشارك في الأحداث، أو كما يسمونه سارد من الخلف، وفي 7 قصص فقط ظهر السارد بصيغة المتكلم، أي المشارك والمصاحب.
وكان المبنى الحكائي للقص في عمومها عدا اثنتين هما قصة ( كوما) و( نصف ساعة) ، كان مطابقا للمتن الحكائي، ذلك أن خط سير القصة يبدأ من البداية مرورا بالوسط وصولا النهاية.
ولعل حالة الغيبوبة أو الكوما هي التي أوحت للقالصة بالمغايرة، وكذا قوة الصدمة في ( نصف ساعة) هي التي جعلت من النهاية مبتدأ للقصة، حيث جاء في البداية:
كانت تجر ساقيها المرتعشتين وهي تنزل الدرج الذي صعدته قبل نصف ساعة تقريبا راكضة في فرح.
وفي النهاية :
وقالت وهي تغادر المكان ، سوف أذهب ، وأنا في انتظار صك حريتي .
القاصة صوفيا الهدار أعلنت عن نفسها كقاصة مبدعة متمكنة من أدوات وتقنية القصة القصيرة ، فهي تعتني بالسرد، والوصف، والحوار متى ما رأت الحاجة إليه ، كما تعتني بالأحداث وتصوير الشخصيات ،
وتعتني بالحبكة ، ولها نهايات لقصصها رائعة كخاتمة قصة الصرة أو قصة درس، ورسائل من الجبهة. وتولي عناية للمكان والزمان ، فترى المكان قاعة مرة ، ومرة اخرة مستشفى ، وأخر شارعا .. وهكذا .
أما الزمان فقد يكون محددا مثل قول السارد : انقضى شوط من الليل ، في ليلتي الأخيرة ،في المساء عاد ،انقضى معظم النهار. أو أنه يفهم من السياق والوصف مثل :تجاهلت وخز أشعة الشمس ،الشمس حارقة تلهب الرؤوس، كل شيء مظلم في هذه المدينة.
وإذا تحدثنا عن النهايات فسوف لن نغفل بالطبع نهاية قصة يوم مميز ، فهي نهاية تشيخوفية بامتياز، إذ أنها غير متوقعة على الإطلاق .الأب والأم وأفراد الأسرة يذهبون إلى حفل تخرج ابنهم . البهجة تتملكهم، يلبسون أحسن الملابس وأزهاها، الأب يلقي كلمة الحفل ، الفرحة تعمهم جميعا ثم تفاجأك الخاتمة :عندما التقت عيناه بعيني زوجته، ضمها إليه، قبلها على رأسها وتذكر نظرة الإصرار في عينيها وكلمات الأمل التي واسته بها عندما أنجبا طفلهما الضرير قبل ثلاثة وعشرين عاما.
ونهاية كاريكاتورية تدهشك في قصة درس ، إذا تتحدث عن السمك وكيف أصبح حلما للناس بعد ان غلا ثمنه حتى ماعادوا قادرين على شرائه، ثم تأتي الخاتمة: تتجاهل أم سعيد نداءاته، كما تحاول تجاهل رغبتها في تناول وجبة سمك طازج، تعود لابنها لتستأنف معه مراجعة الدرس: عدن مدينة ساحلية يحدها البحر من جهات عدة.
لغة القاصة جميلة حتى لتكاد في بعض المواضع تقترب من النثر الشعري، اقرأ معي قول السارد:
الفانوس الذي مازال غافيا في الكوة.
أو:
رحت أطل على المدينة الغارقة في الظلام. كانت الحركة قد خفت في الأزقة بشكل كلي .سحبت بصري بسرعة خشية أن تقع عيناي على البيوت المكشوفة أمامي . فرغم أن المسافات بين القلوب تباعدت ، لكن الجدران لاتزال تحتضن بعضها.
أو قوله:
تجاهلت وخزات أشعة الشمس، تشبثت بتلابيب النوم حتى اكتمل الحلم، وأخذت بزمام الخاطرة، استيقظت أبحث عن هاتفي ، استدرجت الخاطرة إلى ذاكرتي وسكبتها في مذكرة الهاتف ، كم أسعدني أنها لم تفلت كبقية الخواطر التي يهديني إياها النوم ويسرقها الصحو.
ولايمكن لعينيك أن لا تلتفتا إلى الاستخدام الذكي ل أل التعريف في عنواني قصتين من قصص المجموعة ، فكل القصص الأخرى جاءت غير معرفة عدا اثنتين جاءتا معرفتان بال التعريف ، وواحدة بالإضافة .
قصة المتسول معرفة لتدلل على أن الرجل في القصة ليس متسولا مضطرا ، ولكنه متسول اتخذ التسول مهنة له بدليل قول السارد:
( سحب من تحت سريره علبة حليب مجفف كبيرة مملوءة بالعملات المعدنية، أضاف إليها عملاته الجديدة)
وفي قصة الصرة جاءت الصرة معرفة في إشارة إلى حميمية العلاقة بينها وبين الجدة ، حتى أن الطفلة بطلة القصة تخلت عن حلمها في شراء اللعبة ، وأعادتها إلى جدتها حين أدركت هذه العلاقة.
كان هناك تناصان في العناوين أولهما: ( وتظل جميلة) ، وهو عنوان متناص مع قصة الكاتب محمد عبدالولي ( وكانت جميلة) ، وكذا عنوان قصة ( لعبة النرد) ، وهو متناص مع عبارة إنشتاين الشهيرة ( إن الله لايلعب النرد) ، والحق أن تطابق موضوعي القصتين استدعيا هذا التناص.
حضرت القصة السياسية المباشرة في قصة ( فرصة ثانية ) ، وما كنت أود لها أن تحضر.
المجموعة تبشر بقاصة تمتلك موهبة رائعة في القص، وفي إدارة الأحداث ، وفي خلق الحبكة وحسن سبكها، وفي روعة الوصول إلى الخاتمة وهي ممسكة بتلابيب القارىء تشده شدا لإكمال قص المجموعة في جلسة واحدة.
قضيت وقتا ممتعا مع قصص مجموعة ( مرايا من ورق) ، ولاشك أنكم ستسعدون بقراءتها .. فاقرأوها.
*************
شكرا لجمال أرواحكم