اللقاء في الفضاء مع سلطان العويس
أكد الرئيس علي ناصر في العدد الفائت ان الداعم الوحيد من العرب لمركز الدراسات الاستراتيجية هو الشيخ زايد بن آل نهيان ،كما اوضح ناصر ان الذي سعى في اجهاض المركز وفشله كان لرئيس علي عبدالله صالح .. وفي هذا العدد يتطرق الرئيس ناصر للحديث حول القاء مع سلطان العويس …حيث قال مستدركا :” التقيت سلطان العويس ثلاث مرات في حياتي، المرة الاولى في حفل غذاء مع الشيخ زايد والمرة الثانية في دبي مع عبد العزيز بوتفليقة والمرة الاخيرة التي التقينا فيها شاء حظي وحظه أن يكون لقاءً عابراً في الفضاء على متن إحدى طائرات الإمارات المتجهة إلى دمشق حيث التقيت وجهاً لوجه الشاعر والأديب سلطان العويس، وكانت طائرتنا أقلعت لتوها من دبي بعد زيارة قمت بها لدولة الإمارات العربية المتحدة، وبعدما فرغت من افتتاح فرع في مدينة رأس الخيمة للمركز العربي للدراسات الاستراتيجية الذي أسسته في دمشق عام 1995م.
يواصل الرئيس ناصر حديثه قائلا :” قبل ذلك، لم أعرف العويس إلا من خلال الصحف والمجلات والقنوات الفضائية، وعبر أعماله الخيرية والاجتماعية والتعليمية والثقافية التي لم تقتصر على وطنه الإمارات، بل تعدته إلى عدد من البلدان العربية والإسلامية، حيث اقترن اسمه دائماً بأعمال الخير، وفي السنوات الأخيرة بجائزة العويس التي عرفت طريقها إلى العديد من كبار المفكرين والكتاب العرب في مختلف المشارب، من دون تحيز أو حكم مسبق. ومن الذين شملتهم الجائزة أديب وشاعر اليمن الكبير المرحوم عبد الله البردوني.
أعطى العويس أمته شعراً ونثراً ولم يبخل عليها بالمال، وأعطى الثقافة العربية مؤسسة مستقلة وجائزة دورية لها قيمتها المادية والمعنوية.
العويس لرناصر : انت من حٌكم عليك بالإعدام
وحول الحديث الذي دار بين الرئيس ناصر والعويس مضي يقول :” في لقاء رتبته المصادفة في الفضاء على الخطوط الجوية الإماراتية، حيث أجريت حواراً عميقاً في فكر وعقل وضمير رجل الخير والشعر سلطان العويس، كما تطرق حديثي معه إلى اليمن وأحوالها والعديد من الوضوعات الأخرى.,عندما رآني طلب إليّ أن أجلس إلى جانبه.
وعندما قدمت له نفسي قال:
أنت الذي حكموا عليك بالإعدام منذ شهر في اليمن !
قلت له:
لا، ولكنهم حكموا عليّ بالإعدام قبل عشر سنوات !
قال في دهشة:
ومن الذي حُكم عليه بالإعدام قبل عشرة أيام إذاً ؟
قلت:
علي سالم البيض..
قال: والعطاس ؟!
قلت: سمعت عن ذلك.
قال وعلى وجهه النحيل علامة حزن وأسى:
أين الحكمة اليمانية ؟! ألم يقل الرسول(صلى الله عليه وسلم) عنكم: الإيمان يمان والحكمة يمانية، وأنكم أرق قلوباً وألين أفئدة ؟ أين أنتم من هذا الحديث النبوي ؟!
قلت له: ما تتحدثون عنه من حديث الرسول(صلى الله عليه وسلم) والحكمة اليمانية صحيح.. وحكم الإعدام بحقي أو بحق البيض لا يغير من نظرتنا نحو الشعب اليمني العظيم الذي شارك في صنع الحضارات الإنسانية وفي الفتوحات الإسلامية في الشرق والغرب، رغم أنني حزين لما جرى ويجري في بلادي السعيدة.
قال: إن الرسول(صلى الله عليه وسلم) ربما يتحدث عن سكان تهامة، وعن أبي موسى الأشعري ولا يتحدث عن سكان الجبال فهم يبدون أشد قسوة بحكم طبيعة الجبال.
قلت: قد يكون ما تقوله صحيحاً، ولكن المشكلة لا تكمن في سكان الجبال أو سكان الرمال والسهول بقدر ما تكمن في الصراع على الحكم والسلطة.
وأضفت: ألم يبدأ الصراع على السلطة والخلافة بعد وفاة الرسول(صلى الله عليه وسلم ) مباشرة. ألم يكن أبو موسى الأشعري الرجل الصحابي الجليل من خلع الإمام علياً كرم الله وجهه لتجنيب المسلمين الحرب والقتال في معركة صفين والمعارك اللاحقة، عندما خلع الخاتم من يده كما كان اتفاقه مع عمرو بن العاص رضي الله عنه الرجل والصحابي الداهية الذي دبر ذلك المقلب للأشعري حيث نقض الاتفاق وثبّت صاحبه معاوية في الحكم لتبدأ الفتنة منذ ذلك التاريخ ولاتزال مستمرة حتى اليوم ولو بصورة أخرى ؟!
ما اكثر الرؤساء العلي في اليمن
ويكمل الرئيس ناصر حديثه مسترسلا وقال :” قال العويس: فلنترك علياً ومعاوية جانباً، ونتحدث عن رئيسكم علي سالم.. وعن القتل والاختطافات للسياح والثأر بين القبائل..
قلت مصححاً: اسمه علي عبد الله صالح.
قال وهو يضحك: كثرت علينا الأسماء والتبست.. علي ناصر وعلي سالم وعلي صالح وعلي عنتر وعلي شائع وعلي محسن.
وأضاف: أنتم شيعة زيدية لهذا تتسمون بعلي كثيراً.
أفهمته أن الاسم لا علاقة له بالشيعة أو المذاهب أو حتى بالمذهب الزيدي، فهو اسم متداول كغيره من الأسماء.
وقلت له: كان في منطقتنا (دثينة) أسماء ثلاثة من الحكام وكلها تبدأ باسم علي.
علي هادي، من آل حسنة – حسني.
علي سليمان، من آل حسنة– حسني.
علي عبد الله الصالحي، من آل المياسر.
قال: الحسني معناه أنكم تنتمون إلى الحسن والحسين ابني علي بن أبي طالب.
قلت: بل نسبة إلى منطقة يسكنها عدد من القبائل يطلق عليهم آل حسنة.
العويس : اليمن بحاجة إلى حاكم مستبد وعادل !
ويردف الرئيس ناصر في الحديث يقول :” سكت الشيخ الذي اقترب من السبعين قليلاً ثم سألني:
ماذا تفعل الآن؟ وهل تذهب لزيارة اليمن؟ وهل لك علاقة بعلي صالح؟!
أوضحت له إنني أرأس المركز الذي أنشأته “المركز العربي للدراسات الاستراتيجية” ويحظى برعاية الشيخ زايد وله فروع في بعض البلدان العربية، منها بلادي اليمن، وقلت له إنني أذهب أحياناً إلى اليمن كلما اقتضت الظروف والضرورة ذلك، ولا توجد تحفظات على عودتي إلى اليمن في أي وقت أشاء وأرتبط بعلاقة مع الرئيس علي عبد الله صالح.
قال العويس: لما كان الأمر كذلك، لماذا لا تنصح الرئيس بأن يضرب بيد من حديد على كل من يخل بالأمن، لأن ما يجري يسيء للشعب اليمني وللرئيس، فاليمن اليوم بحاجة ماسة إلى حاكم مستبد وعادل!
ويضيف الرئيس ناصر بقوله :” سكت العويس قليلاً ثم واصل بعد لحظات:
أنتم بحاجة إلى حاكم مثل ابن سعود، عبد العزيز، الذي أخضع القبائل والعشائر بالسيف، وبنى دولة في شبه الجزيرة المترامية الأطراف، وأنتم اليمانيون شعب عظيم وعريق ولكن الفوضى الحاصلة الآن في بلادكم ستؤخركم عن الشعوب الأخرى في المنطقة.
وأضاف:
لماذا لا تستفيدون من حكمة الشيخ زايد الذي وهبه الله للإمارات وللعرب وللمسلمين؟
قلت له موافقاً:
إنه رجل عظيم وحكيم.
قال:
وعادل.. ولهذا تنطبق عليه مقولة رسول كسرى الذي قال:
حكمت فعدلت فأمنت فنمت.
قلت: إنه حكيم العرب وآخر عمالقة القرن العشرين.
قال العويس: حاولوا أن تستفيدوا منه، ومن خيره وخبرته وحكمته.
وتمنينا له معاً طول العمر.
لو لا الشيخ زايد لما تحقق هذا الاستقرار
ويواصل الرئيس ناصر حديثه ويقول :” ثم إنني قلت للعويس: الكل ينظر إليك باحترام، مثقفين ومفكرين ومواطنين، ليس بسبب الجائزة التي تمنحها في كل عام لعدد منهم فقط، بل لاهتمامك الدائم بالثقافة والمثقفين والمفكرين وبأعمال الخير، جزاكم الله كل خير.
وأضفت: لو كان في المنطقة العربية عشرة من أمثالكم يهتمون بالثقافة وبالمفكرين والأدباء العرب لزاد إنتاجهم واهتمامهم بالفكر والثقافة والأدب.
أجاب:لا.. لا يا أخ علي.. بل قل لو كان في العرب عشرة من أمثال الشيخ زايد لتطور الوطن العربي من المحيط إلى الخليج، ولو لا الشيخ زايد لما تحقق هذا الاستقرار، ولما سمح لنا بأن نكرم المثقفين والمبدعين فبعض الحكام العرب لا يريدون أن تمنح مثل هذه الجوائز إلا من قبلهم وباسمهم وليس بأسماء الآخرين.. العرب محتاجون إلى أكثر من زايد وليسوا بحاجة إلى أكثر من سلطان العويس.
قلت: أوافقك الرأي نحن أحوج إلى رجال من أمثال الشيخ زايد الذي أنشأ دولة عصرية في زمن قياسي، وازدهرت في ظله الحركة الثقافية والأدبية، وتحولت الإمارات بفضله إلى دوحة لكل المثقفين والمبدعين العرب.
ضحك العويس وسكت قليلاً قبل أن ينشد بعض الأبيات…
ناصر يرفض عطاء العويس
ويتابع الرئيس علي ناصر حديثه قائلا :”أخذت الطائرة تقترب من مطار دمشق الدولي، وحان الوقت لكي نربط الأحزمة، وأن أنتقل إلى مقعدي في الجانب الآخر قريباً من النافذة.
وعندما هممت بذلك. قال لي: “وين رايح”؟!
قلت: إلى اللقاء في دمشق..
قال: هل تحتاج إلى دعم للمركز العربي؟!
قلت له: شكراً، فأنا يهمني تكريمكم للآخرين المبدعين والمفكرين العرب.. وأعتبر أن هذا أكبر دعم للمركز.
قال: أنا لا أمزح الآن معك.
أجبته: وأنا أشكرك على هذا العرض. لقد استمتعت كثيراً بالحديث معكم.
وأصر العويس على أن أجلس إلى جانبه حتى نغادر الطائرة، وكان آخر ما قاله لي قبل الوداع:
لأول مرة أعرض مساعدة على أحد ويرفض عرضي.
قلت له:
وأنا لأول مرة يعرض عليّ تقديم دعم للمركز، فأنت تذكرني بزايد في كرمه وحبه للآخرين ودعمه من دون اللجوء إلى طلبه، ولهذا فإنني أعتبر أن العلاقة والصداقة معكم أهم من المال.
وقبل الوداع أهداني ديوانه وعليه إهداؤه وأبيات من الشعر، فشكرت له هديته القيمة وودعته عند باب الطائرة، حيث كان في استقباله سفير الإمارات في سورية علي سيف.. ولم أكن أعلم أن ذلك سيكون اللقاء الأخير معه.. رحم الله سلطان العويس وعوّض الأدباء والكتاب بأمثاله.(للحديث بقية )