سما نيوز

الكاف الحِمْيَرية في اللهجة اليافعية

علي صالح الخلاقي

من أهم خصائص اللهجة اليافعية المميز اللهجي “ك” الحِمْيَرية، فالكاف ضمير المخاطبَ والمتكلم فيها، وهي أصلية في كلامهم الحميري، وأمر جارٍ على ألسنتهم يومياً. ونجد شبهاً لذلك بدرجة أقل في المنطقة التاريخية لنفوذ الدولة الحميرية”خاصة في بعض مناطق إب وردفان والضالع وتعز وغيرها”، لكنها في لهجة يافع أكثر استخداما ولهذا يمكننا أن نطلق عليها لهجة “الكاف”، ويشمل ذلك حالات المفرد والجمع ” لا وجود لصيغة ضمير المثنى في اللهجة اليافعية وتُستبدل بضمير جمع الذكر وضمير جمع المؤنث “، ويمكن تعميم ذلك على كل ما جاء في هذا الكتاب، على صيغة الأمثلة التي نوردها هنا كقولهم: كَلَّمْكُكْ: كَلَّمتُكَ – سَوَّيك: عملتَ “في الجمع والمثنى: سَوَّيكُو، سَوَيكُم”- قُلْكُ لَك: قلتُ لكَ- كِنْك:كنتَ-..الخ. أو قولهم في المثل اليافعي:”ما أكَلْكُه غِنِمْكُه وما كَسَبْكُه عِدِمْكُه”، أي ما أكلتهُ غنمته، وما كسبته عدمته”. وقولهم:”لا كِنك عِنْكِنِي كُنْك آسِير معُك”، أي لو أنَّك انتظرتني كنتُ سأذهب معك.

ويلاحظ اختلاف ملحوظ في حالة مخاطبة”الجَمْع المذكر” ففي المفلحي يقولون”أكَلْكُم أو شِرِبْكُم” وفي معظم يافع”أكَلْكُو- شِرِبْكُو”. وهذا شائع في اللغة الحميرية. وقولهم: ادُّوكَه: اعطيته. ادَّوكَك: أعطيتك. ويقولون”مَدِّيه نُصْ” أي لم يقل له ولا كلمة واحدة. إدِّي: أعطى. ويقال في لهجتنا، إدَّاكُك: أعطيتك. إدَّاكُشْ: أعطيتكِ (لمخاطبة المؤنث) إدَّاكُكُم:أعطيتكم. إِدِّيْك: أعطاك. إِدِّيْه: أعطاه. إِدِّيْش: أعطاكِ. إِدِّيْهُم: أعطاهم. ومما يقوله الأطفال لبعضهم:”إِدِّنِي وَادِّيْك مِنْ لَحْم الدَّيك”. ومن طرائف ما حدث أن أحد العمال اشتغل مع أخوين يافعيين في عدن، وعندما طلب أجرته من أحدهما، رد عليه بقوله: “سِر عند أخي خلَّه يِدِّيْك، إنْ اِدِّيك اِدِّيك، ون مَا اِدِّيْك جِئْك واَدِّيْك”. فذهب المسكين على أمل أن يعطيه الآخر أجرته، فصُدم بإجابة مماثلة لا تختلف عما سمعه من أخيه، إذ بادره بالقول “ماشَا اَدِّيْك، لمّا اتأكد إن أخي ماشِي ادِّيْك، ولا ماشي ادِّيك رَجَعْك وقَنَا ادِّيْك، لَمَه ماشا أدِّيك؟”. فرد المسكين غاضباً وساخراً: أنتَ دِيْك، وأخوك ديك، وأنا “دجاجة” بس أعطوني حقي.

وقد أشار الهمداني إلى هذه اللهجة وسماها لغة حميرية، ومن ذلك قول شاعر حميري عند الانتهاء من بناء قصر غمدان( ):

إني أنا القيل إِليّ شرحٍ
حصَّنك غمدان لمبهمات

وقول رجلٌ من حِمْيَر، في الأبيات التي رددها جنود يزيد بن معاوية عند حصارهم مكة:

يا ابن الزّبير طالما عَصَيْكَا
وطالما عَنَّيكَنَا إليكا
لتحزننَّ بالذي أتَيْكا
لنضرِبَنْ بِسَيْفنا قَفَيْكا( )

وقد ذكر الهمداني أنه جاء في مسند قاع الحقل:” أنا شمعة بنت ذي مراثد: كنك إذا وحمك أول بالقشم من أرض الهند بطّلة” والقشم في لغة حمير البقل( ). أو ما قالته في ذمار والدة وَهْب بن منبه قبل ولادته سنة 43هجرية، وهو:”رَأَيْكُ بنحلم كولدكُ ابناً من طيب( ). كما ورد في نقش القصيدة الحميرية التي سماها مترجمها د.يوسف محمد عبدالله بـ”ترنيمة الشمس” ما يشير إلى أن اللغة السبئية قد عرفت الكاف ضمير رفع بدلاً من التاء في العربية( ).

من مقدمة كتابي(معجم لهجة سرو حِمْيَر -يافع وشذرات من تراثها)