جنوب اليوم ليس كجنوب الأمس ، جنوب اليوم الذي يمثل فيه المجلس الانتقالي الجنوبي قوة سياسية و عسكرية لا يمكن تجاوزها بأي حال من الأحوال فالانتصارات السياسية و العسكرية لازالت تتوالى في رصيد القضية الجنوبية و المجلس الانتقالي .. أو كما يدعون !
عشرات الإعلاميين و النشطاء الجنوبيين إن لم نقل المئات ، هذا هو ديدنهم صباحا و مساءا ، فلا تكاد تلج إلى موقع إلكتروني أو مجموعة من مجموعات مواقع التواصل الإجتماعي حتى تقرأ عشرات المنشورات عن الانتصارات السياسية و العسكرية للجنوب و قضيته العادلة ، و منشور واحد فقط عن ارتفاع سعر صرف الريال السعودي إلى ثلاثمائة و عشرين ريال يمني
و لنقف اليوم مع إخواننا الإعلاميين الجنوبيين و المثقفين و الأكاديميين مع حزمة المنشورات اليومية عن الانتصارات السياسية و العسكرية الجنوبية حسب معايير علم الاجتماع ، و الاقتصاد ، و علوم السياسة و نظرياتها ، فشعب الجنوب هو صانع هذه الانتصارات السياسية و العسكرية .. شعب ينتصر ثم يجوع .. شعب يقهر أعداءه و يحرر أرضه ليحتل الجوع أمعاءه .
شعب زحف بالملايين إلى كل ساحة و فعالية ليصنع انتصارات سياسية لنخبنا ترددت أصداؤها على الصعيد الأقليمي و الدولي
شعب قدم خيرة أبنائه في كل الجبهات و روت دماؤهم الزكية تراب الجنوب الطاهر من باب المندب إلى شبوة و حضرموت و المهرة شهداء أبرار أصبح الجوع يطرق أبواب بطون أطفالهم الخاوية ، فالراتب لم يصرف في حينه و لأشهر .. فعن أي نصر نتحدث ؟
مفارقات قد لا يجد علماء الاجتماع و الاقتصاد و السياسة تفسيرا لها ، أو حتى دراستها .. فكيف لشعب أن ينتصر ، ثم يجوع ؟
أم أن شعب الجنوب يتعرض لصناعة الوهم ؟!!!! ، و إلا عن أي انتصارات يتحدثون ؟ ، انتصرنا في عدن ، و وصلت قواتنا الجنوبية إلى مشارف الحديدة ، أسسنا المجلس الانتقالي ، و طردنا الشرعية من عدن ، و وقعنا اتفاقية الرياض ، و شاركنا في حكومة المناصفة ، و حصل الجنوب على مقاعد في مجلس القيادة الرئاسي ، و في كل التشكيلات المنبثقة عنه .. دافعنا عن عدن ، و صمدنا في شقرة ، و حررنا شبوة ، و أبين ، و قادمون إلى حضرموت و المهرة لنوسع خارطة السيطرة الجنوبية و التي تتوسع معها خارطة الجوع للشعب الجنوبي .
أهي صناعة الوهم حقا ؟ .. فمع كل انتصار سياسي أو عسكري يتردى وضع الجنوبيين الاقتصادي و المعيشي ، و لنا أن نتذكر وجبة إفطارنا قبل اتفاقية الرياض و بعد تشكيل مجلس القيادة الرئاسي ، كم تكلف ؟ ، و كم حذفنا منها ؟
نعم أنها انتصارات سياسية و عسكرية لا يستطيع أحد نكرانها ، و لكن أين مكاسبها الاقتصادية ؟ .. فالخدمات متردية ، و الرواتب متأخرة ، و العملة متدهورة ، و الغلاء و العبث و الفساد يسحق الشعب الجنوبي و ينخر في عظامه ، ثم تحدثوننا عن الانتصارات .. فعن أي انتصارات تتحدثون أيها السادة ؟
أن النصر السياسي أو العسكري لابد أن يكون له أثره الاقتصادي الذي لا يمكن إخفاءه إلا في حالة واحدة فقط و هي الاستئثار بهذه الانتصارات السياسية و العسكرية لصالح النخب و استثمارها لمصالحها ، و التمكين لها للفئات المرتبطة بها و تصنع للشعب الجنوبي الوهم .
اليوم و ليس غدا على إعلامنا الجنوبي أن يكف عن صناعة الوهم لشعب الجنوب الصابر المصابر ، المغلوب على أمره رغم انتصاراته الساحقة و تضحياته الجسام … فالمشاريع المطروحة اليوم هدفها تصفية القضية الجنوبية من محتواها و العودة بنا إلى المربع الأول .. فمسار استعادة الدولة الذي بتنا نلمسه و نسير فيه هو الطريق إلى باب اليمن الذي يسعون للرجوع بنا إليه عبر شعاراتنا البراقة ، و لن تفيدنا حينها عبارات المجد و الخلود للشهداء ، و عهد الرجال للرجال إذا لم نتنبه لذلك … فكيف لشعب أن ينتصر ثم يجوع ؟ . فتوقفوا عن صناعة الوهم !