ظلت مداركي و تجاربي محفورة في الوجدان العام، و عالقة في الذاكرة الجمعية لتلك الطفولة البريئة حين كنت أسمع و أنا صغير في الصف الرابع الابتدائي عن بدء االعام لدراسي الجديد متأهب له بشوق لا يوصف بملابسي الجديدة ذات اللون الأبيض و البنطلون البني ، و متسابق بشغف لا ينسى في الحضور لنيل توزيع الكتب المدرسية التي كانت مكفولة بكميات كبيرة من قبل وزارة التربية و التعليم إنذاك و توزعها إدارة المدرسة بداية كل عام. و كان زميلي (راجي) يخبرني أنه طوال تلك الليلة لم يستطع أن ينام إلا و ملابسه و جزماته و حقيبته المدرسية المملوءة بالدفاتر و الاقلام و الملونات بمختلف أنواعها تحت وسادته مبيتاً بشغف منه متى يأتي انبلاج شفق صباح ذلك اليوم الذي تفتح فيه المدرسة أبوابها أمام الطلاب الذين يأتون من مختلف القرى المتباعدة و تجمعهم تلك المصلحة المبنية على التحصيل.
و أتذكر أن (راشداً) ابن جارنا كان أبوه موظفاً عسكرياً بمحافظة المهرة ضمن قوات حرس الحدود، و أن والدته كانت على فراش المرض، و يحكي لي من أنه لا يستطيع الحضور معنا بسبب أن أباه تأخر في إرسال معاشه إلى أسرته، و صار عائقاً في شراء بعض أغراضه المدرسية الكافية، و كنت أتحدث مع نفسي و السعادة تغمر ملامحي، و أنا متلهف في الحضور لو ربما أوصلت الى موقف سيارة النقل التي تقلني و زملائي إلى المدرسة التي كانت على نفقة الدولة إنذاك، و قد غادرت المكان بسبب تأخري عن الموعد المحدد بالساعة السابعة إلا ربع صباحاً، فكيف أقدر أن استحمل ذلك القلق و انكسار شوق الذات في الحضور داخلي؟.. يا إلهي!!! ما ذلك الخيال الذي كنا فيه، و الظروف مستقرة، و الرواتب كافية، و الدولة كانت متكفلة بالتعليم و الكتاب، و إلزام المعلم باليوم المحدد لبدء العام الدراسي!!!
و اليوم وزارة التربية و التعليم قد أعلنت عن بداية العام الدراسي الجديد في 15 من أغسطس 2022م و كان آخر ما سمعته أن المدرسين قادمون على إضراب شامل لتحسين أوضاعهم المعيشية و هذا ما بقي منهم وفياً على مهنة التدريس و الا قد فئات منهم قد توجهت إلى العسكرة في الجبهات وراء رواتب تصرف جراء الحرب الطاحنة التي تمر بها البلاد.
لم يكن أحد يشعر بحاجة الطالب الشديدة اليوم إلى الملابس النظامية و الحقيبة و الدفاتر و الكتاب المدرسي الذي أصبح على نفقته بعد أن تجردت الدولة عن توفيره بسسب غيابها عن المسؤولية القانونية و السيادية و الأخلاقية في ظل تردي الأوضاع المعيشية و الخدمات و انعدام الرواتب و غلاء الاسعار و خلو المدارس من المدرسين، كم أشعر بالحسرة و أنا أرى أسراً لا تقوى على شراء تلك المتطلبات التي تجعل ابنهم لا يقدر على الحضور و إن حضر فهو مهزوم من الداخل و غير مؤهل للتحصيل العلمي، و يظل الحنين إلى ذلك الزمن الذي كانت فيه الدولة حاضرة و أن عيبت في سلبياتها.
في الجامعة أيضاً اليوم وصل إليها فشل منظومة التعليم العام و صارت مخرجاته من أكبر المحن أمام برامجها التطويرية حيث اكتشف زيف التعليم العام الذي يمثل المداميك الأولى للتعليم العالي، فصارت أساتذة الجامعات تتعامل مع طلاب أميين ، قدراتهم لا تقوى على كتابة الجملة الصحيحة، و ليس هذا فحسب بل تجد الطالب لا يعرف حتى كتابة الكلمة بصورة سليمة مما شكلت مشكلة كبيرة تتوجب على مستشاري السياسة العامة للتعليم من أعلى هرم بالسلطة الى مراكز التطوير التربوي و لجنة إعداد المناهج في النظر في مسألة هذا الجهل المركب الذي صار ظاهرة تؤرق المجتمع، و تثير الجدل و تنتج إعاقة مستدامة في مخرجات أهم مؤسسات الدولة التنويرية في صنع المستقبل .
حالياً…. كم نحن بحاجة إلى تقييم صادق للتعليم بكل مستوياته من خلال علماء و خبراء حقيقيين يشخصون مكامن فشل منظومات التعليم العام و انتشار الجهل المركب في مخرجاته و لا يتم ذلك إلا بوقف الحرب و بناء مؤسسات الدولة و إعطاء التعليم أولى برامج الإصلاح الاقتصادي بدأ من المعلم ثم المتعلم وصولاً اإلى توفير بيئات صالحة للتعليم، تستطيع أن تغامر بتلك المخرجات في سوق العمل و مواكبة التطور العلمي المتسارع و إلا على الدنيا السلام …
# د. أمين العلياني.