ستة عشر (16) عاما مرت بنا، بصفوها وعصفها، بأيامها وأماسيها، بألوان الفصول والعصافير، برائحة المطر والأولاد، بدفء العائلة والأصدقاء، بتلويح الشمس لنا والأمنيات، بالألقاب والأسفار والأعياد، عقد ونصف بحكايتين؛ حكايتنا المروية، وحكاية على الجانب الآخر، قد لا يعيش عبدالرحيم ليرويها .
ولد عبدالرحيم عبدالله صالح بن علي جابر عام 1990م بمدينة جدة بالمملكة العربية السعودية لأبوين يمنيين، انتقلت عائلته فيما بعد للعيش في حي النسيم بمدينة ينبع غرب المملكة، ترعرع عبدالرحيم في كنف عائلة شديدة التمسك بالتقاليد والقيم الأخلاقية، غمرته بالحب وصقلته بالرعاية، أنهى تعليمه الابتدائي والمتوسط في عمر مبكر، والتحق عام 2005م بثانوية الملك عبدالعزيز القريبة من منزلهم، وقبل أن ينهي عامه الدراسي الثاني، تداعى كل ما كان يبنيه ويحلم به، إثر حادث غير مقصود، لم يعد عبدالرحيم بعده إلى البيت، ولم يعد البيت بعده كما كان .
كان الوقت عصرًا، نشب شجار في ملعب الحي بين عبدالرحيم ومجموعة من الأولاد من مثل سنه، انفضَّ الشجار ولكن لم تنفض أسبابه، تجدد العراك في المساء أمام منزل عبدالرحيم، انتهى بمأساة أسرتين؛ أسرة الشاب القتيل رضوان محمد علي (30 عاما) رحمه الله، وأسرة عبدالرحيم المدان في الحادثة، استدعي عبدالرحيم ذو السادسة عشر عاما للتحقيق، أُدخل دار الأحداث عام 2006م وبقي بالدار حتى صدر في حقه الحكم بالقصاص عام 2008م، لينقل بعدها الى السجن العام وتبدأ واحدة من أطول المآسي، وأحلكها عذابا وبؤسا .
تحط حمامة بيضاء بالقرب من شباك سجنه، تحملق فيه ثم تبدأ بالسعال الشديد، تراجع عبدالرحيم ملصقا ظهره بالجدار، وقعت من عينيه دمعة لم يعرف سرها، سقط أرضا، أخذ يبكي بشدة ويصرخ : أمي .. إنها أمي !! كان عامَه الأول بالسجن، وآخر أيام أمه التي هدها الحزن عليه وأطفأ عينيها، وقف والده يومها وحيدا منهكًا، لقد انقلبت أحوال تلك العائلة رأسا على عقب، يعود والده إلى الريف بحضرموت جسدا بلا روح، ذاوي العينين، قد استبد به شعور العجز والخذلان لولده :
تقلدتني الليالي وهي مدبرة () كأنني صارم في كف منهزم
ابيضت عينا يعقوب النبي لفراق ولده، وأغمض الحاج عبدالله عينيه للأبد في الثالث والعشرين من يوليو 2020م، تاركا لعبدالرحيم وإخوته ميراثا آخر من الوجع .
حكاية عقد ونصف من الخوف والوحدة والفقد، من الترقب والتوجع والتلاشي، حكاية جدران تحيل الأعوام والألوان والأعياد والدروب إلى عتمة باردة، إلى صمت أسود يبتلع العمر والمسافات، ويتسلل تحت الجلد كالحمى، حكاية ليس بمقدور أحد أن يعيشها أو يرويها سوى (عبدالرحيم).
#عبدالرحيم يناشدكم
✍️ محمد ناصر بن علي جابر
الهند – حيدراباد