لقد تطرفت في الجزء الأول من موضوعنا هذا عن كيفية تأثير تجارة القات في وقتنا الحالي على أسعار صرف العملات الأمر الذي تسبب في رفع أسعار كل المواد و الخدمات …
تجارة قد أصبحت اليوم و في ذلك المنعطف الخطير الذي نمر به تشبه الثقب الأسود الذي يهدد بابتلاع اقتصادنا و مجتمعنا في آن واحد … إلا أننا و عندما نشرع في البحث عن الحل علينا أن نكون عقلانيين و لا ننفصل عن مجتمعنا و كأننا نعيش في عالم آخر و نطالب بمنع القات و نحن ندرك تمام الإدراك أن هذا أمرا مستحيلا و لا يمكن تحقيقه على أرض الواقع الذي نعيشه ، فمن المعروف لدينا جميعا أن القات فوق الدولة أكان في الشمال أو الجنوب و لا زلت حتى يومنا هذا أتذكر ذلك الهتاف الذي صدح به الشعب في الجنوب عندما اتخذت الدولة قرارا بقلع شجرة القات فخرجت الجماهير الغاضبة تهتف : ” عبدالفتاح يا كهنوت ، الشجرة تحيا و انت تموت ” … بل أن القات عزل و نفى رئيسا في الشمال لم يدرك جيدا مقدار حجم غول القات في البلاد …
لقد كان القات قويا في عصر الأيديولوجيات و الدولة الشمولية التي استطاعت إخضاع الشعوب و تطويعها و لكنها عجزت عن قلع شجرة القات … و مع أن القات لم تكن له مثل هذه الآثار الاقتصادية و الاجتماعية المدمرة حيث كان في ذلك الحين من عروض التجارة المحلية و كانت تقتصر آثاره على استنزاف المياه و توسع رقعة زراعته على حساب زراعة المحاصيل الغذائية أو التصديرية ، هذا بالنسبة للجانب الاقتصادي ، أما بالنسبة للناحية الاجتماعية فقد كان الخلل يكمن في ميزانية الأسرة و حالات التفكك الأسري و هذا هو ما كان يطرح في ذلك الوقت
إلا أنه و بعد أن أصبحنا اليوم ندرك تغير البيئة الاقتصادية لتجارة الفات و واقع وجود عمليتين منفصلتين فالشمال قد أصبح هو الجهة المصدرة و الجنوب هو المستورد و الميزان التجاري مختل و يزداد اختلالا و هذا ما يدفعنا للبحث سريعا عن الحلول قبل حلول الكارثة فالشتاء ببرودته القارسة قادم و ستلازمه لا محالة أسعار القات الخيالية … و لهذا علينا اليوم أن نبحث معا في صحة فرضية عدة حلول في الجانب الاجتماعي و الاقتصادي و ننفذها معا حتى و إن كانت مسارات الحل تسير في اتجاهات متعاكسة فالضرورات تبيح المحظورات و سنبدأ اليوم بأحد مسارات الحل في الجانب الاجتماعي و الذي سنطلق عليه : ” القات قاتلي و قاتلك ” … مسار هدفه الترشيد في استهلاك القات كما و نوعا و التوعية بمخاطر الاستمرار بمستويات الاستهلاك الحالية على جميع أفراد المجتمع بحيث يصبح هذا المسار مشروعا اجتماعيا تشترك فيه جميع الفعاليات السياسية و منظمات المجتمع المدني و وسائل الإعلام و يرفع فيه مستوى التوعية إلى مرحلة المكاشفة المجتمعية بأضرار هذا النمط الاستهلاكي الشاذ …
نعم نمط استهلاكي شاذ لم نألفه ، و يمكن ملاحظة هذا الشذوذ في الفئة العمرية التي ما بين العشرين إلى الأربعين عام و التي جعلت الحرب منها فئة ميسورة ماديا ، أو ما يطلق عليهم أصحاب الألف السعودي و هي فئة نمط استهلاكها للقات يتميز بالشراهة و التفاخر بأسعار شراء القات ، بل أن الأمر قد وصل بهم إلى درجة تصوير القات و نشر صوره …
فئة حظها من التعليم قليل و قدر كبير من الإحباط ، ففيهم خريجو جامعات قضوا سنوات طوال بلا عمل ، فئة كان حصول الواحد منهم على عشرين ألف ريال يمني في يوم يستحق ذلك اليوم أن يذكر ، فئة وقعت في وهم أن المكانة الاجتماعية بقيمة و نوعية ما يتعاطاه من قات …
و هذه الفئة هي من يجب أن توجه إليها برامج التوعية ، و كذلك تستهدف المرأة بالتوعية لما للمرأة من ثقل توعوي في مجتمعنا ، و نرى استهدافها لما لمسناه من عدم إدراك هذا القطاع من المجتمع للتأثير المستجد لتعاطي القات و رواج التغيرات الخاطئة لارتفاع الأسعار التي تحمل أطراف سياسية المسؤولية ، كما أن هذه الفئة و منهم الأمهات و الزوجات اللاتي تؤرق مضاجعهن موجات غلاء الأسعار بعكس الرجال الذين يجدون مساحة للنسيان أثناء مضغ الوريقات الخضراء الطرية أو و هو مقبل على أسواق القات …
هذا بعض مما في المسار الاجتماعي ، و سنتناول لاحقا أحد المسارات الاقتصادية ، أقول قولي هذا فياليت قومي يفقهون .. و إنما للحديث بإذن الله بقية …. !!!