سما نيوز

جمهورية البردوني الأدبية مراحل من تاريخ الثورة ( 2-3)..مرحلة الثورة(فاتحة سبتمبر الخالد)

جمهورية البردوني الأدبية مراحل من تاريخ الثورة ( 2-3)..مرحلة الثورة(فاتحة سبتمبر الخالد)
د. لمياء الكندي

بقلم/ د. لمياء الكندي

مرحلة الثورة ( فاتحة سبتمبر الخالد)

يصنف البردوني في كتابه اليمن الجمهوري التحولات السياسية ضد نظام الإمامة إلى ثلاث مراحل، تشكلت بحسب الفترات التاريخية و تمثلت في تحول القتال العشائري إلى قتال وطني ضد العثمانيين، وتلاها في فترة حكم يحيى بن حميد الدين تحول في الغضب القبلي إلى العمل الثوري على مفهوم الأربعينيات، تبعا لأحداث انقلاب 1948م ،وما ترتب على فشلها ودور القبائل من قادة الانقلاب، ثم تأتي المرحلة الثالثة التي تحول فيها الجيش من سلطة بيد الإمامة إلى سلطة ضدها كما حدث في انقلاب 1955م في تعز.
ويعتبر البردوني عام 1955 بداية لليقظة الوطنية التي اجتاحت كل قطاعات الشعب التي قادت الخطى إلى ثورة السادس والعشرين من سبتمبر، ليفرد البردوني تساؤلاته حول الثورة و هل تعتبر الثورة نهاية المطاف؟ ا م أنها بداية السير الأعنف والطريق الأخطر.

كان البردوني يدرك حجم المخاطر الثورية والضريبة التي ستستهلها الثورة من دماء اليمنيين مهما كانت النتائج فنراه يقول:

فانطلق يا فجر إنا
قد فرشنا لك الدرب جماجم

وزحفنا نهدي الهُدى ومددنا
من قِوانا إلى الأعلى سلالم

اذاً هو الطريق الذي لا رجعة عنه الطريق الذي اختاره اليمنيون ومثله البردوني في قصائده، وهو الشاعر والثوري العنيد الذي ما زالت ذاكرته مكتظة باسى الماضي الامامي، ووضعه في مقارنة أمام واقع الحلم الثوري الناتج عن سبتمبر في قصيدة مأتم وعرس.

كيف منا يا ذكريات النجوم
مآتم من الضياع يتلو مآتم؟
……..
كيف كنا قوافلاً من انين
تتعايا هنا كشهقات نادم؟
………..
كيف كنا نقتات جوعاً ونعطي
الارذال المتخمين اشهى المطاعم؟

وجراحاتنا على باب ( مولانا)
تقيم الذباب منها ولائم

وهو في القصر يحتسي الشعب خمرا
ودما والكؤوس غضبى لوائم

وبعد ان عدد مساوئ الإمامة يمضي في ذكر سبتمبر باعتباره عرسا يطغي على مئتم الإمامة في تضاد شعري يضع الفاصل وينسف الحاجز بين ثقافة الحياة والموت، فيصف الثورة بالعرس، بل يذهب إلى وصف الموت في سبيلها بالعرس أيضا.

اشرق الثائرون فالموت عرسٌ
وانين الحمى لحون بواسم

إلى قوله: إن الجراح التي على كل شبر
أثمرت فجأة وكانت براعم

لقد مضى البردوني متأملا في ان تثمر مسارات الثورة في حياة الشعب واثقا من قدرتها على صناعة مستقبلا افضل له فنراه يخاطبها:

ذات يومِ ستشرقين بلا وعد
تعيدين للهشيم النضاره

تذرعين الحنان في كل وادِ
وطريق وفي كل سوقٍ وحاره

إلى قوله:

أي دنيا ستبدعين حسنها
وصفها فوق احتمال العباره
……..
سوف تأتين كالنبوات كالأمطار
كالصيف، كانثيال الغضاره

كانت قصائد البردوني تشق طريها نحو الثورة فهو يعتبر ان الحرب الثورية التي شكلت الرفض الامامي لها ومعركة الدفاع الجمهورية ناتجة عن نظرية ثقافية وعن تطور الفكر السياسي لرجال الثورة الذين تأثروا بالثورات والنظريات الثورية التي كانت تعم العالم، لنجده في قصيدة طريق الفجر يؤكد المبرر الثوري الذي خاضه اليمنيين ضد الإمامة ويؤكد الترابط الشعبي المؤيد لها والذي برز كتحول اجتماعي نافر من حكم الإمامة.

يا صرعة الظلم شق الشعب مرقدهُ
واشعلت دمه الثارات والضغنُ

ها نحن ثرنا على إذعانِنا وعلى
نفوسنا واستثارت اُمنا ( اليمنُ)

لا البدر ولا ( الحسن) السجان يحكمنا
الحكم للشعب لا (بدراً) ولا (حسنُ)

نحن البلاد وسكان البلاد وما
فيها لنا، إننا السكان والسكنُ

فليخبأ الظلم ولتذهب حكومته
ملعونة وليول عهدها النتنُ

لقد ضم ديوان البردوني ” طريق الفجر” العديد من القصائد التي امتثلت في أماني الشعب الثورية، وامتزجت بمظالم العهد البائد التي شكلت مبررا ثوريا لقيام سبتمبر فنجده في قصيدة تحدي المؤرخة في 1961 يقول مخاطبا الامام:

هددونا بالقيد او بالسلاحِ
واهدِروا بالزئير او بالنباحِ

وكلوا جوعنا وسيروا على اشلائنا
الحُمر، كالخيول الجُماحِ

إلى مخاطبته المتوعدة للإمام بالثورة ووضع نهاية جريئة للإمامة مهما كانت المخاطر:

قسما لن نعود حتى ترانا
راية النصر في النهار الضاحي

خوفونا بالموت، إنا استهنا
في الصراع الكريم بالارواحِِ

قد الفنا الردى كما تألف
الغابات عصف الخريف بالادواحِِ
……..
نحن شعباُ عيا خيال المنايا
وتحدى يد الزمان الماحي

كلما ادمتِ الطغاةُ جناحاً
منهُ أدمى نحورها بجناحِِ

و كانت قصيدة الطريق الهادر التي كتبها البردوني في يونيه 1962م، ليُحيي تظاهرة الطلاب التي خرجت للتظاهر ضد الطاغية احمد، وجابت شوارع صنعاء ليصف ذلك الخروج المتظاهر بانه خروج الشعب، معطيا أفاق أوسع للمعارضة فالثورة باتت تطرق باب الإمامة في صنعاء ويبدا انهمارها من شوارعها التي بدا المتظاهرون إلقاء بذورها المورقة في طريق الحرية والخلاص.

هو الشعب طاف بأنذارهِ
على من تحداه واستعبدا

وشق لحوداً تعب الفساد
وتنجر تبتلع المفسدا

و أوما بحباتِ احشائه
إلى فجره الخصب ان يولدا

وعاد البردوني في قصيدة الحكم للشعب ليرسم بكلماته خطوط الاكتمال للحلم الثوري واعتبار تحقيق الوحدة بين الشطرين في الشمال والجنوب عبر تحللهما من حكم الإمامة والاستعمار هي المسار الطبيعي لهذا الفعل الثوري في صنعاء والمقاوم في عدن.

وما الشمال؟ وما هذا الجنوب؟ هما
قلبان ضمتهما الافراح والحزنُ

وحده الله والتاريخ بينهما
والحقد والجرح والأحداث والفتنُ

(شمسان) سوف يلاقي صنوهُ ( نقما)
وترتمي نحو صنعا اختها عدنُ

كان احتفاء البردوني بالثورة كبيرا ككبر هذا الحدث التاريخي الذي جسدته قصائده الثورية فانطلق بروح الشاعر وبروح المواطن الحالم، يكتب غرسهُ الأجمل على ارض الثورة، وورقة الحياة فنراه في قصيدة ذات يوم التي كتبها في سبتمبر 1962م متزاحمة أبياتها بالأحلام والأمنيات المتعالية:

أفقنا على فجرِ يومِ صبي
فيا ضحوات المنى اطربي

اتدرين يا شمس ماذا جرى؟
سلبنا الدجى فجرنا المختبي
………….
وسِرنا حشوداً تطيرُ الدروبُ
بأفواج ميلادنا الانجبِ

وشعباً يداوي: هي المعجزاتُ
مهودي، وسيفُ (المثنى) أبي

غربتُ زماناً غروبِ النهارِ
وعُدت يقودُ الضحى موكبي

لقد فعلها الثوار واتقدت شعلة سبتمبر لتعبر كل اليمن، كانت قصائد البردوني تعبر عن مزيج شعري طليعي في طريق الثورة فنراه يفرد القصائد عن قادة الثورة معطيا لها بعدا عربيا وقوميا فيتناول الدور المصري في اليمن بأكثر من قصيدة، وذلك من خلال مشاركة جمهورية مصر العربية فيها، فنجده في قصيدة ثائران التي كتبها في ديسمبر 1962م ، خصها للحديث المنتشي بالبطولة القائد العربي جمال عبدالناصر، وقائد ثورة اليمن عبدالله السلال، ليبدأ قصيدته بقوله:

من ( جمال) ومن اسمى جمالا
مُعجزاتٌ من الهُدى تتوالى

وشموخٌ يسمو على كل فكرِ
وعلى كل قيمةٍ يتعالى

كان البردوني يعرف ويقدر معنى التلاحم اليمني المصري في حرب الثورة ضد فلول الإمامة، وكان ينظر للتدخل الخارجي والقوى الرجعية في حرب الجمهورية ضد الملكيين مقياسا للفصل بين قوى التحرر الوطنية التي قادها عبدالناصر وبين أشكال الحكم الرجعية والقمعية التي مثلها عرب الخليج وممالكهم الجديدة فيقول:

من جمال ؟ سلِ البطولات عنهُ
كيف اغرت بهِ العدا الانذالا

فتبارت اذناب لندن تزري
بأسمهِ فازدهى اسمهُ وتلالا

إلى قوله:

يا لصوص العروش عيبوا جمالا
واخجلوا أنكم قصُرتم وطالا
………
لا تضيقوا إن العروبة تدري
من جمال وتعرف السلالا

بطل الثائرين وافى اخاه
والبطولات تجمع الابطالا

…..يتبع

د. لمياء الكندي