إلى مدرسة شجاع الدين… رحلة إلى القرن الثامن الهجري (1 من 2)
=======================
كتبه: نادر سعد حلبوب العُمَري
====================
مع خيوط الفجر الأولى لليوم المنصرم (السبت 21 أغسطس 2021م) انطلق بنا د.علي صالح الخلاقي بسيارته، وهي تقل كلًّا من الأساتذة الشيخ محمد سالم بن علي جابر، ود. محمود السالمي و د. طه حسين هديل ، و د.عبدالفتاح قاسم ناصر الشعيبي ود. عبدالمُجيب حسين مثنّى الشَّعيبي، وكاتب هذه السطور، وكانت نسمات الصباح اللذيذة تصافح وجوهنا في أثناء اندفاع السيارة المدللة وهي تطوي الطريق طيًّا في اتجاه محافظة لَحْج، فلا تلمح من نافذتها سوى أشباح تلال وجبال شاردة، ولا تسمع إلا ضحكات مُجَلْجِلة، وحديثًا مسلِّيًّا من تراث السنين الماضيات.
ولم نتوقف إلا دقائق معدودة للإفطار في مطعم قَصِيٍّ من مطاعم مدينة الحَبِيْلَيْن، لنواصل بعده السير في أودية عميقة وبطون جبال شاهقة، كلما ودعنا منها واديًا أقبل علينا آخر، حتى طوينا مدينة الضالع والسوق فيها تنصب راياتها، وبائعو الخضار ينتظرون من يفتح عليهم باب الشراء، والدراجات النارية تذرع السوق جيئة وذهابًا، وتخط عجلاتها خطوطًا متداخلة في الوحل الذي يملأ السوق إثر أمطار غزيرة هطلت حديثًا، فلا تكاد ترى مكانًا يصلح للمشي عليه، ومررنا بكلية التربية ليلتحق بنا الأستاذ محمود محمد الجَثّام، وتنطلق بنا السيارة إلى الشمال فالشمال الشرقي، مرورًا ببلدات الجَلِيْلة فالحُصَيْن فخَلَّة؛ لنبدأ بعدها الصعود في عَقَبة الشَّعيب، وما إن تجاوزنا قرية أَرْضَهْ في منتصف العقبة حتى انحرفتْ بنا السيارة عن الجادّة يمينًا إلى الشرق في طريق ترابية وعرة، رُصِفت في بعض الأماكن بالحجارة، ولكنها كانت شاقة عسيرة على سيارة مدللة كسيارة د. الخلاقي.
وفي ربوة عالية مطلة على وادي (أَرْحَب) الفسيح وقفنا نستنشق نسائم الصباح وقد صافحت عقارب الساعة التاسعة والنصف، ونلتقط الصور، وهناك توارد إلى ذاكرتي ما سمعته عن هذه القرية التي نطل عليها، وما رأيته فيها في آخر زيارة لي إلى المكان قبل عشر سنوات؛ إذ وقفت حينذاك في قمة مطلة على الوادي ولم أنزل إليه وما كنت أدري حينها ما قيمة هذه القرية وما تخبئه من آثار أفنت سبعة قرون كاملة، ومرت بها قرابة عشرين جيلًا من البشر، وبقيت بعد تلك القرون والأجيال حية شاهدة، ويا لجمال هذا الوادي، الذي تزينت رباه بالبيوت الرشيقة والحصون وجوانبه بالغصون، حين اكتست بالخضرة اليانعة الخلابة التي تشد عيون عشاق الجمال، وتشد أكثر (موالعة) القات؛ إذ إن أكثر أشجار الوادي من هذه الشجرة التي خاصمتها وخاصمتني منذ طفولتي، وإن كنت أستمتع بخضرتها التي لا تفارقها طوال العام.
ويقع وادي أَرْحَب بين سلاسل جبلية شاهقة تحيط به من جهاته الشمالية والجنوبية والشرقية، إذ يطل عليه من الجنوب والشرق جبل حرير، ومن الشمال نقيل الشعيب وجبل العوابل، وينحدر غربًا إلى وادي خلّة، وسكانه من المشايخ آل باعبّاد الذين استوطنوه منذ القرن الثامن الهجري بعد هجرتهم من بلدة الغُرْفة في حضرموت، ويتبع إداريا مديرية الحُصَين بمحافظة الضالع.
ولما لامست إطارات السيارة الوادي، واستوت على جانب منه، وقد بلغ بها الجهد مبلغه، قيل لها نامي ودعي القوس لباريها، وكان في استقبالنا هناك الشيخ الكريم فضل بن عبدالوهاب بن محمد باعبّاد (من أعيان القرية)، والأستاذ فضل محمود ناصر (مدير عام مكتب الآثار بمحافظة الضالع)، والأخ مصطفى أنور باعبّاد، وعدة شباب آخرين، وبدأنا في الصعود مشيًا على الأقدام إلى مدرسة الشيخ شجاع الدين باعباد الحضرمي التاريخية، المعروفة برباط باعباد، وهذه المدرسة تقع مع مسجدها فوق ربوة مطلة يسمونها الحوطة، وتجاورها عدة حصون عتيقة أوشكت على السقوط، ولن يمضي عليها دهر بعيد حتى تصير أطلالًا. وهناك استقبلنا بالبِشر والترحاب الشيخ الفاضل المعمر عبدالحميد بن عبدالحافظ بن محمد باعباد الذي أخبرنا أنه ولد سنة ١٣٤٨ للهجرة، وأفادنا بمعلومات قيمة.
أما المدرسة فهي مبنىً واسع، يعود تاريخ بنائها إلى أوائل القرن الثامن الهجري، وفيها ستة أروقة كبيرة، تزينها عقود حجرية بديعة، وسقوفها منحوتة من الخشب البلدي، وفي جدرانها آثار رسوم نباتية خضراء، وكل رواق منها يفضي إلى الآخر، وعند مدخل المدرسة قبر مجصص لامرأة محسنة كانت لها يد في صيانة المدرسة ورعايتها في بعض القرون السابقة؛ يروى أن اسمها هُجَيْنة بنتُ شُجَيْنة العُطْرية، وفي جانب من الرواق الشرقي للمدرسة عدة قبور مبنية ومتجاورة لجماعة من فقهاء المدرسة من آل باعبّاد.
ويتوسط أروقة المدرسة مسجد صغير مطلي باللون الأبيض، وتزينه في داخله عقود حجرية بديعة مرتكزة على أعمدة خشبية مزخرفة في أعلاها، ونُحتت في أخشاب السقف آيات قرآنية، وأسماء، وتواريخ طمس بعضها، وبقي بعضها مقروءًا، وفي أسفل المسجد حجرة خشبية زرقاء بديعة الصنع، عليها زخارف وكتابات قديمة، كان في داخلها ضريح للشيخ شجاع الدين ابن عمر باعبّاد (توفي في القرن الثامن للهجرة) نجل مؤسس المسجد والمدرسة، قبل أن يقوم بعض الأهالي بنقل رفاته إلى المقبرة، ويبقوا على هذه الحجرة البديعة.
وفي الجانب الغربي للمسجد بِرْكة ماء كبيرة مخصصة للوضوء، وبالقرب منها بقايا بِرْكة أصغر منها، يحكى أنها كانت مخصصة للوضوء على المذهب الحنفي، يغترف منها الماء اغترافًا على مذهبهم في حد الماء القليل والكثير، بينما البركة الكبيرة الباقية كانت مخصصة للشافعية يتضؤون بداخلها، وفي ذلك إشارة إلى وجود أثر للمذهب الحنفي في هذه الأماكن في العصور المتأخرة، وربما لأن بعض الشافعية كانوا يحترزون في حد الماء القليل، ويعملون بقول الحنفية استحبابًا؛ على قاعدة الشافعية: الخروج من الخلاف مستحب.
وبعد زيارة الحوطة، انطلقنا إلى قمة جبل في صدر الوادي اسمه جبل حصن أرحب، لتوثيق قبة الشيخ موسى بن عبدالرحمن باعباد (توفي في حدود 1022هـ)، والتقطنا صورًا للقبة والضريح والكتابات الموجودة بداخل القبة.
وللحديث بقية في حلقة قادمة إن شاء الله أطرق فيها بقية الرحلة وبعض التفاصيل التاريخية المتعلقة بالمدرسة، وبالله التوفيق.