خطر
خيوط أشعة شمس الغروب تكتسح السماء الصافية المزرقة بعذوبة اللون الأزرق … و تغمرها بلونها الغني بالبرتقالية… لتصل لعينيّ حيث تنظران نحوها… نحو الشمس تمامًا… أغمض عينيّ اللامعتين نصف إغماضة … لكي أتمكن من النظر إليها من نافذة السيارة … أنظر إليها حيث يشرف يومٌ آخر على الانتهاء و يومٌ آخر على البدء… كان يومًا طويلًا حقًا…لقد إستقيظت اليوم مبكرًا كالعادة .
منذ فترة ليست قصيرة تبرمج عقلي على الاستيقاظ صباحًا مهما كان موعد نومي … لم أكن أملك شيئًا لفعله… لكنني مع الوقت ملكت أشياء كثيرة لفعلها … لكن اليوم كان علي الاستيقاظ مبكرًا لزامًا… فهنالك سفرٌ طويلٌ ينتظرني للعودة لمدينتي التي أقيم فيها حاليًا… بدأ يومي بسلسلة من الأحداث المتسارعة، المتسارعة و المتضاربة… و بظرف واقعها كان علي أن أسقط حكم بعض الأمور فقط لتسهيل بعضها الأخر…. أو ربما حكمت عليها بأن أحكم بقضائها بأجل أخر… هذا مزعج… بل مكرب أن يحدث هذا .. لكن لا بأس… لا داعي للبأس…في عزلة عن الجميع… عزلة لا تجعلهم يتسألون عن سببها… هذا فقط لأنني قضيت معهم الكثير من الوقت…الكثير الذي يجعلهم يتنازلون عن بعضه لأجلي، أنا فقط…. استمتع إلى موسيقاي… موسيقى تناسبني…. تتملكني… الطريق طويل و ربما غير منتهي، الرياح الباردة تأخذ جزءً ثقيلًا من مشهد الغروب هذا… تنظر إلي قريبتي… و تضحك، بسبب أنني اصبحت هادئة بشكلٍ قاطع فجأة…
هذا الهدوء يجعل بعض الأمور التي أود قولها تتسلل بشكلٍ غير مسبوق لعقلي… ها أنا أفكر ببعض الأمور اللازم علي قولها… أفكر بأختي حنين و بأن أقول لها… كم أنها تفرط في القلق…و بوالدتي و كم أنها تهلك نفسها كثيرًا و تخسرها لأجل استحقاق حقوق لا تُسَتحق … أفكر بوالدي و ورغبتي العارمة بقول أنني سأشتاق إليه كثيرًا… سأشتاق إليه كثيرًا عندما يسافر… أفكر بأن اعترف لخالتي الوحيدة… بأنني لم أعد أشعر أنها مثل والدتي بعد الآن… و أن اقول لأختي الأخرى هبة أنني أحبها كثيرًا…. حتى لو بدوت قاسية التعبير عن ذلك أحيانًا… أفكر أن أقول لقريبتي الصديقة…. أنني لم أتوقع أننا مقربون لبعضنا البعض لهذا الحد… البعد يعرفنا بقربنا… يعرفنا به حقًا…و أود أن أقول لصديقتي العزيزة بشكل يجعلها كما لو أنها تسمع ذلك لأول مرة… أن التحسن يتطلب قليلًا من التعب… أو الكثير تقريبًا… لكنه سيشعرك أخيرًا بحالٍ أفضل…
ألاحظ أن ألحان موسيقى الغروب تزداد حدةً و تسارعًا… و السيارة تفعل ذلك أيضًا… يقطع ذلك التسارع قولي للماضي بأن… ينتظرني لأتذكره… و للمستقبل بأنني أفعل الكثير لأجله الآن… أتذكر فجأة أنني يجب أن أقول لقريبتي الأخرى… أنها محظوظة و أنها تمتلك شيئًا بداخلها لا يمكن للناس الإستغناء عنه منها… وكم أن هذا مبهج… و لكنه مهلكٌ حقًا…
فجأة وسط تزاحم أقوالي اللازم علي قولها… وقفت على مرأى عينيّ شاحنة نقل للنفط… كُتب على معدنها… كلمة ” خطر”… تداركت إدراكي بأنها إشارة لأن اتوقف… حيث أن الثرثرة التي بعقلي إزدادت حتى اكتساها الصمت…الصمت الذي يجعلني أشعر كما لو كانت الحياة بحالة من الجمود أو من الثِقل…. لو لم أقل ما أود قوله… و كم سطر أكون مخطئة إذا لم أكن محقة بذلك… اتكئ برأسي على النافذة… اخرج أطراف أصابعي أداعب الهواء كما اعتدت أن أفعل سابقًا… أشعر بحالٍ أفضل … أظل عالقة حيث أرغب تمامًا في مشهد الغروب البرتقالي اللامع… حيث أن الطريق طويل، طويل و غير منتهي للعودة للمنزل…
-ليال علي