سما نيوز

مشكلتنا شفيعنا الأبي المحتزم!!

صلاح الطفي

اختيار الشفيع قد يكون أمر حاسم في كثير من الأمور ومثله التحالفات وكيف لك ان تصل إلى قلب وعقل الحليف الذي تنتظر منه العون ومن ثم النصر والظفر بما تحلم!!

وحتى في وضعنا وتحالفاتنا أصبح الشفيع أمر حاسم في تأثيره على الحليف المرجو الذي قد يصبح هو القاصم أو العقبة التي يهابها تدخل أي حليف آخر حد تثبيط الهمم والإرادة, خاصة إذا سلمته زمام أمرك واصبحت مطواع تحت أمره ورهن اشارته ورضيت ان يضعك ضمن أمتعته ويعامل اهلك ودارك وخارطتك ضمن حديقته الخلفية (مكان ما توضع المواشي والمرافق الصحية التي تقضى فيها الحاجات!!)

ولذلك ظاهريا ربما وقع وكيلنا الأبي المحترم والمحتزم بالعفة والكبرياء وأصبح الأمر خارج عن إرادته لكن عزاؤنا صدق صاحبنا فبعفته وكبريائه لم ينزل إلى الدرك ولم يدرك كيف تجري المياه الباطنية في أهم الأمور التي تحتاج إلى شفيع يخترق كل الحجب حيث يسود التمايز ولربما فضل التمييز العاطفي بين المحتزمين وبين من حلوا البزة ولبسوا العباءة لزوم الشفاعة!!!

ولكن الحزم بالتأكيد عند أصحاب الحزم وهم يدركون ويميزون بين من يحبهم ويفديهم وبين من باعوا ما بين أيديهم وما خلفهم ثم خذلوهم!!وإلا فعلى الدنيا السلام.

وبعيد عن السياسة إليكم هذه القصة عن الشفاعة!!!:

الشاعر العربي الكبير (الفرزدق) واسمه الحقيقي همّام بن غالب بن صعصعة، وكلمة الفرزدق تعني الرغيف وبه لُقّب لضخامته وتجَهُّم وجهه وقد كان الفرزدق مرهوب الهيئة فوق رهبة الناس من هجائه الذي يلصق بمن هجاه أبد الدهر حتى قيل عن رجل لصقت ثيابه الرثة بجلده ( عليه رداء كهجاء الفرزدقِ)!!!

وإليكم ملخص قصته المشهورة مع أبنت عمه النوار:

كانت النوار من أجمل النساء وهي وقومها والفرزدق يقيمون في البصرة بأرض العراق وتقدم لها خطيب من علية قريش ولم يكن لها ولي فطلبت من ابن عمها الفرزدق ان توكله أمرها, فجمع قومهما وحضرت معه النوار فقال اسمعوا بنت عمي ما تريد مني:

فقالت اشهدكم انني فوضت أمر زواجي لأبن عمي الفرزدق يعقد قراني على من يراه كفو لي!!!!

سمع الجمع قولها ففاجأها الفرزدق وقال:

اشهدكم انني قبلت الزواج من بنت عمي النوار ومهرتها 100 ناقة حمراء سوداء الحدق!!!

انصدمت النوار واستنجدت بقومها فلم يلبيها احد خوفا من الفرزدق وهجاه, وبمساعدة أمها استعانت بشباب من أقاربها وركبت راحلتها إلى مكة المكرمة قاصده سيدنا عبد الله بن الزبير وكان حينها خليفة على مكة والعراق.

ومباشرة ذهبت النوار تطلب الشفاعة عند زوجت سيدنا عبد الله بن الزبير الثانية (خولة بنت منصور ابن ريانا), سمع الفرزدق فانطلق وراء النوار وعند وصوله مكة المكرمة احتشد اهلها يستقبلونه استقبال عظيم فهو الذائع الصيت الذي يرفع ويهدم بشعره المصقع!!!

وكان على راس المستقبلين جعفر بن عبد الله بن الزبير وإخوانه, وبعد مراسيم السلام استبشر الفرزدق وطرح مسألته على جعفر بن الزبير واخوانه, فرحبوا واطمأنوا الفرزدق بحسم امر النوار وحل ضيف عليهم.

انتظر الفرزدق يوم يومان ثلاثة ولم يرد عليه جعفر بن عبد الله بن الزبير, فتحرى الأمر وعلم ان قد حسمه سيدنا عبد الله بن الزبير لصالح النوار بعد ان تشفعت بزوجته الثانية وازمع على التفريق بين النوار والفرزدق!!!

فأخذ الفرزدق قرطاس وقلم وكتب بيتين شعر وارسلها للخليفة سيدنا عبد الله بن الزبير وعندما فتح القرطاس كان الفرزدق وقريحته الفذة حاضرة بهذه البيتين:

أما بنوهٍ فلم تقبل شفاعتهم وشفعت بنت منصور ابن ريانا

ليس الشفيع الذي يأتيك مؤتزرا مثل الشفيع الذي يأتيك عريانا

حينها انتفض ابن الزبير وطلب النوار وقال لها إن شئت فرقت بينك وبين هذا وقطعت رأسه وإن شاتي فهو ابن عمك وتحمًليه!! وهي الاصيلة فضلت البقاء على مضض مع ابن عمها على قتله!!

وعند باب الكعبة اخذ سيدنا عبد الله بن الزبير بتلابيب الفرزدق حتى كاد ان ينكع عيونه!!!

وهو الجبار القوي عبد الله بن الزبير رضي الله عنه ثم انذاره ان سمع منه هجاء ليقطعن لسانه وبعدها دفع بالنوار له!!!

وختام القصة بها وبها فتلك النوار الأصيلة وهذه الدودحية وبنت الدودحي!!!

بقلم / صلاح الطفي

25 مارس 2021م