
منذ فجر الاستقلال في عام 1967م، والجنوب يطارد شبحاً يسمى “العدالة”. لكن المتأمل في مسيرة العقود الستة الماضية يدرك أن ما رُوّج له على أنه “عدالة اجتماعية” لم يكن سوى قوالب أيديولوجية صلبة، سحقت في طريقها خصوصية الإنسان، وأورثت جراحاً لم تندمل، بل ظلت تئن تحت رماد الشعارات الغوغائية التي قادت المشهد حينذاك.
إن مأساتنا لا تكمن في الجغرافيا، ولا في شكل الدولة والوحده، بل تكمن في “القيم” التي تنهار عندما ينهار ضمير القيادة. إن النخب الفكرية والسياسية التي تصدرت المشهد الجنوبي من ذلك الوقت حتى يومنا هذا، مارست نوعاً من “التيه الأخلاقي”؛ فمهما بدا طرحها مختلفاً في الشكل، إلا أنها ظلت حبيسة نزعات ذاتية، وفي نسخها الأخيرة بدت أكثر تلوثاً وعطباً، حيث اغتُصبت القضية العادلة لصالح مكاسب ضيقة، وتحولت “المظلومية” من دافع للتحرر إلى وسيلة للاستحواذ.
جدلية الظلم والمفارقة التاريخية
كيف نقنع أولئك الذين أنصفهم القدر – ولو جزئياً – بعد عام 94م، حين استعادوا حقوقاً سُلبت منهم في صراعات ما بعد 67م، بأن استعادة الدولة هي طريق العدالة المطلقة؟
وفي المقابل، كيف نقنع من يكتوون بنار التهميش اليوم بأن ما يمارس بحقهم هو “عدالة انتقالية”؟
إنها مفارقة موجعة؛ فعدالة النخب غالباً ما تكون “انتقامية” أو “انتقائية”، تمنح الحق ليدٍ وتسلبه من أخرى. وما لم تكن العدالة شاملة، تنبش الجذور لتداويها لا لتعمقها، فإنها ستبقى مجرد “ضجيج” في القنوات والمحافل، بينما يبقى الظلم أثراً عميقاً يحفر في قلوب المظلومين، ويسمم مستقبل الأجيال.
سر الخلاص: التغيير من الداخل
المشكلة ليست في “الوحدة” كمفهوم سياسي، بل في “أنفسنا” التي لم تتهيأ بعد لاستحقاق الحرية. إن القانون الإلهي الصارم في قوله تعالى: {إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم} هو مفتاح اللغز الذي عجزت عن حله كل فلسفات النخب.
التحرير الحقيقي لا يبدأ بطرد غازٍ أو رسم حدود، بل يبدأ بـ:تحرير الجوهر: بتنقية النفس من نزعات الثأر السياسي والأنانيات المناطقية.
عفة القيادة فالدولة التي تُبنى على “الذات المتورمة” لن تكون إلا سجناً جديداً بأسوار قديمة.
قدسية الإنسان: أن يكون الإنسان الجنوبي بكرامته وحقوقه هو الغاية، لا مجرد رقم في معادلة القوة.
الختام ايه الإخوة
لا يمكن أن يقبل الله بالظلم، ولا يمكن لهذه البسيطة أن تستريح ما لم تقم فيها عدالة حقيقية تجعل الإنسان منتصراً بعد نضال طويل. إن السعي خلف عدالة مشوهة تقودها نخب ملوثة بالنزعات الذاتية هو حرث في البحر.
إن سر الخلاص يكمن في “ثورة القيم”. عندما نتغير من الداخل، ونطهر وعينا من “غوغائية” الماضي و”لوث” الحاضر، حينها فقط سيصبح سعينا نحو استعادة الدولة سعياً نحو “العدالة الكاملة”، ويصبح الانتصار حينها حتمياً ومباركاً.








