
عدن – SMANEWS
بين عواصف السياسة وأمواج العجز، يجد المتابع للمشهد اليمني نفسه أمام تساؤل بنيوي: هل ما زالت “الشرعية” تمتلك مقومات البقاء كدولة، أم أنها دخلت مرحلة التآكل الذاتي؟ عشر سنوات مرت، والشرعية التي انطلقت مدعومة بزخم إقليمي ودولي، تبدو اليوم في مواجهة مع “قواعدها” قبل خصومها، وسط تعالي أصوات النخب الحقوقية والأكاديمية، لا سيما في الجنوب، التي بدأت تضع “المعايير” تحت مجهر النقد اللاذع.
جدل “التوزير” ومعضلة المعايير
لم تكن التشكيلة الحكومية الأخيرة مجرد “تدوير” للأسماء، بل تحولت إلى مادة دسمة للجدل الحقوقي. النخب الأكاديمية والمدنية في الجنوب لم تعد تكتفي بالرفض السياسي، بل انتقلت إلى مربع “الاشتراط الدستوري”، مطالبة بتقديم “إبراء ذمة مالية” كشرط أساسي لعبور أي وزير إلى عتبة السلطة.
التساؤلات لم تقف عند حدود الكفاءة، بل طالت “المعايير” التي قذفت بأسماء شابة أو مغمورة إلى سدة القرار في مناصب سيادية وحقوقية، في وقت تزدحم فيه الساحة بكفاءات وقامات قانونية عركتها التجربة والقضاء لعقود.
“إشراقات مشدلية“
.. تهكمٌ بمرارة الواقع
في ردهات التواصل الاجتماعي وأروقة المنتديات الحقوقية، برز مصطلح “الإشراقة المشدلية” (نسبة إلى وزير حقوق الإنسان الجديد)، ليس كمديح، بل كصرخة تهكمية تعكس الفجوة الجيلية والمهنية. أحد الحقوقيين لخص المشهد بمرارة قائلاً: “تصدقوا وتؤمنوا بالله.. في التاريخ الذي وُلد فيه الوزير مشدل، كنتُ قد تخرجتُ من الثانوية العامة (دفعة 90/89)”. هذا القياس الزمني لم يكن مجرد استعراض للعمر، بل إشارة إلى تجاوز التراتبية المهنية والقيم الأكاديمية في اختيار من يتولى ملفاً شائكاً وحساساً كملف حقوق الإنسان.
في سياق متصل، نقل ناشط حقوقي آخر تجربته “السمبوزيومية” (الاستعارية) في أروقة القضاء العسكري، حيث طالب برتبة ودرجة توازي ما مُنح لـ”مشدل”، متسائلاً عن احتكار المناصب واللجان الوطنية (كالجنة الوطنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان) على أسماء بعينها، وكأنها “إقطاعيات” وظيفية غير قابلة للتداول.
الشرعية.. مشروع دولة أم “مصدر صراع”؟
يتفق طيف واسع من الأكاديميين والحقوقيين، من الشمال والجنوب على حد سواء، على أن الشرعية بصيغتها الحالية “تفتقر للقيم، النزاهة، والإخلاص”. هذا الفقر القيمي هو ما حال دون خلق التفاف شعبي حولها، وجعلها تعيش في “منفى اختياري” بعيداً عن نبض
الشارع وأوجاع الناس.
الأخطر من ذلك، هو القناعة المتولدة لدى الكثيرين بأن الشرعية لم تعد عاجزة عن الإنجاز فحسب، بل أصبحت “مشروع دمار” ومصدراً لاستمرار الصراعات البينية لتأمين بقاء المصالح الضيقة. ومع تنامي النفوذ الخارجي الذي أصبح يطغى على سيادة القرار الداخلي، تلاشت الآمال في قدرة هذه السلطة على خلق استقرار حقيقي.
الخلاصة: التآكل الصامت
بينما يشتد العذاب المعيشي وتغيب الخدمات، تكتفي “الحكومة” بالتدوير العبثي للوجوه والنهج. إن مطالبة النخب اليوم بـ”إبراء الذمة” وتعرية معايير التعيين، هي المحاولة الأخيرة لإنقاذ ما تبقى من “الجزء النظيف في الدستور”، قبل أن تأكل الشرعية نفسها تماماً، وتتحول إلى مجرد “ذكرى” لسلطة لم تدرك أن الشعوب قد ترفض بصمت، لكنها لا تنسى حقها في المحاسبة.
SMANEWS – المركز التحليلي




















