بين سقفِ الوطنِ وجدرانِ الأحزاب: حوارُ الأرضِ والسيادة

5 فبراير 2026آخر تحديث :
بين سقفِ الوطنِ وجدرانِ الأحزاب: حوارُ الأرضِ والسيادة
محمد علي الحريبي

من وحي حواري في منتدى الإرادة. الذاتية

في ردهاتِ الحوارِ التي تضجُّ بالرؤى، وقفتُ أمامَ أحدِ الرفاقِ المأخوذين ببريقِ “مشاريع الأقاليم”، فقلتُ له والهدوءُ يغلفُ يقيني: “يا عزيزي، اعتذاري يسبقُ عتبي؛ بما أن الدعوةَ هي حوارٌ (جنوبي-جنوبي)، فمن بدهياتِ المنطقِ أن يكونَ السقفُ جنوبياً خالصاً، وأن يكونَ الحاضرون تحتَه ممهورين بالانتماءِ للأرض، لا مرتهنين لأجندةِ الأحزاب”.
بدأ الحوارُ بيننا كمن يفككُ عُقداً مزمنة، فقلتُ له:
— “أليست هذه الأرضُ ملكاً للجنوبيين وحدهم؟”
— أجاب باقتضاب: “نعم، هي كذلك”.
— قلتُ: “وأليست إدارةُ هذه الأرضِ وشؤونها حقاً حصرياً لأبنائها؟”
— قال: “بلا شك”.
هنا اتسعَت حدقةُ السؤالِ لتكشفَ مكامنَ الخلل، فقلتُ له:
“إذن، لماذا تُصرُّ على إقحامِ (مشروع اليمننة) في حوارٍ وُجِدَ أصلاً لمناقشةِ ما هو مِلكٌ لنا؟ لماذا تضعُ الحقَّ الثابتَ في ميزانِ الاحتمالات؟”.
ارتبك قليلاً ثم لاذَ بالتبريرِ المعتاد:
“لكنَّ هناك قطاعاً يرى في الأقاليم حلاً شاملاً للأزمة!”.
فأجبتهُ بمنطقِ الثائرِ الحريص:
“يا رفيقي، أنتَ أقررتَ بالأرضِ والسيادة، فلماذا تهرولُ لإخراجِ هذه الحقوقِ من دائرةِ المِلكيةِ الخاصة لتجعلها مشاعاً في (شراكةٍ) مع الآخر قبل أن تملك قرارك؟ دعنا نتفقُ أنا وأنت أولاً على ما لنا وما علينا، نزيلُ غبارَ الانقسامِ عن وجوهنا، نُلحمُ إرادتنا تحت سقفنا الواحد، وبعدها—وفقط بعدها—نخرجُ للعالمِ وللشركاء ككتلةٍ صلبةٍ نتفاوضُ على شكلِ العلاقةِ مع الآخر”.
تلعثمَ الرجلُ، وحين غابَ عنه المنطقُ تشبثَ بالشعارِ قائلاً: “نحن مع الأقاليم!”.
فختمتُ قولي بكلمةٍ فصل: “ونحنُ مع حقوقنا وأرضنا.. فالأرضُ باقيةٌ والأقاليمُ أوهامٌ في رؤوسِ العابرين”.

خلاصة الموقف السياسي
إن مشكلة البعض يا أستاذي ليست في “عدم الفهم”، بل في “المصالح الذاتية” التي تثقل كواهلهم. هؤلاء لا وزن لهم في ميزان الأوطان؛ فمن أراد أن يدخل خيمة الحوار الجنوبي، عليه أولاً أن ينفض غبار أحماله الخاصة ومصالحه الحزبية خارج العتبة.
إننا نفرقُ بين مسارين لا يلتقيان إلا بترتيبٍ زمنيٍ دقيق:
الحوار الجنوبي: هو “التحام الإرادة” وبناء السقف وتأمين الأرض، وهو حوارُ البيتِ الواحد.
الحوار مع الشركاء: هو “فن الممكن” والعمل السياسي مع الآخر، وهو لا يأتي إلا بعد أن نغلق فجواتنا الداخلية لنواجه العالم بقلبٍ واحدٍ وعلمٍ واحد.