
لم تعد المرحلة تحتمل ضجيج الحناجر الموتورة، ولا الصخب الذي لا يورث إلا التيه. إننا اليوم، وأكثر من أي وقت مضى، في أحوج ما نكون إلى “صوت الاعتدال”؛ ذلك الصوت الرزين الذي يسكن في المسافة الفاصلة بين الحلم والواقع، ليقود الخطاب الوطني الجنوبي نحو مرافئ الأمان، ويدير الحوارات (الجنوبية – الجنوبية) بعقلية الشريك لا بعقلية الوصي.
السياسة: فن الممكن لا “فجر” المناطقية
لقد آن لنا أن نستخلص العبر من رماد التجارب، وأن نقتنص الفرص بذكاء المحارب وحكمة العقلاء . إن السياسة في جوهرها هي “فن الممكن”، لكن ما عشناه في حقبات مضت كان بعيدا عن السياسة، بل كان انحداراً تجلى في أبشع صوره حين استُخدمت المناطقية سلاحاً، وجُيّر الانتماء الضيق لخدمة النزعات الذاتية. إن تسييس المناطقية كمثال هو الخطيئة التي حولت الأصدقاء إلى خصوم، وجعلت من رفاق الدرب أعداءً في لحظة غياب العقل.
عدالة القضية وشرف الخصومة
حين تحمل على عاتقك قضية عادلة، يسقط عنك حق ممارسة “النذالة” أو “البلطجة” لفرض الهيبة؛ فالهيبة تُنتزع بالحق والقدوة لا بالترهيب.
الإعلام ليس ترخيصاً للكذب: ليس مسموحاً للمناضل أن يكون مخادعاً تحت ذريعة “المعركة الإعلامية”. صدق القضية كفيلٌ بأن يدافع عنها وينتصر لها، أما الزيف فلا يصنع إلا أعداءً من وهم.
المسؤولية أمانة الشرفاء: إن وُضع المرء في محل مسؤولية، فإياك والتحول أو التنكر لمن منحوه ثقتهم. التاريخ لا يمنح الفرص مرتين لمن خان أمانة الشرفاء، والتنكر للأوفياء هو النقيصة التي لا تُمحى.
فقه الاختلاف وأدب الرفاق
إن أقبح ما كشفته المراحل المنصرمة هو ذلك “التحول القبيح” في المشاعر؛ حين يتحول رفاق الخندق الواحد إلى كراهية لمجرد الاختلاف في التفاصيل. إن العجز عن استيعاب “نعمة الاختلاف” هو قصور سياسي وأخلاقي، فمحاولة صهر الآخرين في قالب واحد هي بداية الاستبداد ونهاية المشروع الوطني الكبير.
الخاتمة: نحو وطنٍ يتسع للجميع
نحن لا نحتاج في هذه المرحلة إلا لـ “نفوس هادئة”، وعقول تعمل بمشرط الجراح لإزالة ما علق في القلوب من شوائب الماضي. إن الوطن ليس إرثاً خاصاً ولا حكراً على فئة، بل هو فضاء يتسع للجميع وبالجميع.
لننتصر، لا نحتاج إلى مزيد من الصراخ، بل نحتاج إلى فقط
1/خطاب عقلاني يخاطب الوعي الجمعي.
2/سلوك نبيل يجسد قيم القضية التي نحملها.
3/طموح مشروع يلم الشمل بعيداً عن غوغائية الموتورين.








