
في السياسة، لا تُبنى التحالفات على العواطف، وفي “الرياض” تحديداً، لا يُقرأ المشهد إلا بلغة المصالح الحيوية والأمن القومي العابر للحدود. حين تستضيف المملكة قادة الجنوب وشخصياته الاجتماعية، فهي لا تفتح أبوابها لمجرد الحوار، بل تضع “الجنوب” أمام مرآة المسؤولية التاريخية. السؤال الجوهري هنا: ماذا تريد السعودية حقاً؟
أولاً: من ضجيج “الثورة” إلى رصانة “الدولة”
تدرك الرياض أن عهد الشعارات الحماسية والخطاب الشعبوي قد استنفد أغراضه، وأن المرحلة القادمة تتطلب “رجال دولة” لا “قادة فصائل”. المطلب السعودي الأول هو نقل الخطاب الجنوبي من حالة التشتت والفوضى الإعلامية إلى وحدة الموقف والهدف. هي محاولة لترويض الطموحات الجامحة بسقف “الواقعية السياسية”، لخلق شريك قادر على ضبط إيقاع الشارع لا إشعاله، شريك يفهم لغة الاقتصاد والإدارة بقدر فهمه لمتاريس الجبهات.
ثانياً: تحييد “الجغرافيا” عن صراع “المحاور”
يمثل الجنوب بالنسبة للمملكة عمقاً استراتيجياً لا يقبل القسمة على اثنين. لذا، تسعى السياسة السعودية بوضوح إلى انتزاع الجنوب من فكّ الارتهانات الإقليمية. لا تريد الرياض جنوباً يتحول إلى ساحة نفوذ لقوى خارج حساباتها، أو ورقة ضغط في ملفات إقليمية معقدة. الهدف هو صناعة قيادات تمتلك قرارها، وتلتزم ببوصلة تحفظ توازن المنطقة وتؤمن الخاصرة الجنوبية للمملكة من أي ارتدادات أمنية مستقبيلة.
ثالثاً: الفرز بين “الواقعي” و”المغامر”
في هذه اللقاءات، تجري عملية “تصفية سياسية” ذكية؛ حيث تختبر الرياض معادن القيادات ومواقفها الحقيقية من مفهوم الشراكة والدولة. هي عملية فرز واضحة بين:
الواقعي السياسي: الذي يفهم تعقيدات المرحلة ويؤمن بالحلول الوسط.
المزايد المغامر: الذي يقتات على الصدام ويرفع سقف المطالب دون أدوات حقيقية.
خلاصة المشهد
إن السعودية لا تبحث في ردهات فنادقها عن “تابع” يكتفي بالإيماء بالرأس، ولا عن “خصم” يتربص بالفرص، بل تبحث عن “شريك منضبط”. شريك يكون جزءاً من الحل الشامل في اليمن، لا عائقاً أمامه.
الرسالة السعودية المغلفة بدبلوماسية الصمت تقول بوضوح: “من استوعب منطق الدولة واستحقاقات الاستقرار، حجز مقعده في قطار المستقبل، ومن ارتهن للمزايدة والصدام، سيجد نفسه وحيداً خارج حسابات التاريخ، مهما علا صوته”.
2 فبراير 2026








