معضلة الرياض: هل ينجح الجنوبيون في اختبار الواقعية السياسية؟

2 فبراير 2026آخر تحديث :
معضلة الرياض: هل ينجح الجنوبيون في اختبار الواقعية السياسية؟
عبدالسلام بن سعادين

بينما تتجه أنظار المراقبين الدوليين نحو العاصمة السعودية، يجد الشارع الجنوبي نفسه أمام اختبار مفصلي لا يتعلق فقط بطبيعة التسوية القادمة، بل بقدرته على الحفاظ على تماسكه الداخلي أمام إغراءات الانقسام. إن المشهد الراهن، الذي يغلب عليه التوجس، يضع النخبة السياسية والشعب على حد سواء أمام سؤال جوهري: هل المشاركة في حوار الرياض رضوخ أم مناورة استراتيجية؟
فخ التخوين وفن الممكن
من المؤسف أن نرى الانقسام يتسلل إلى الصف الجنوبي، حيث تندفع بعض الأصوات نحو “أدلجة الخصومة” وإطلاق صكوك التخوين. إن هذا السلوك، المدفوع بعاطفة غير منضبطة أو غياب للمعلومة الدقيقة، لا يخدم سوى المتربصين الذين يجدون في تفتيت الكتلة الجنوبية فرصة سانحة لإضعاف موقفها التفاوضي.
إن القراءة المتأنية للتحركات الدبلوماسية تشير إلى أن الذهاب إلى الرياض لم يكن “بيعاً للقضية”، بل هو تحرك محسوب يتم – في كثير من جوانبه – بتنسيق مباشر من الرئيس عيدروس الزبيدي. وفي لغة السياسة الدولية، لا يعني الحوار التنازل، بل يعني تثبيت الحضور في مراكز صنع القرار الإقليمي.
صمت القيادة: رسائل مشفرة
يثير الغياب الإعلامي الأخير للرئيس الزبيدي تساؤلات مشروعة، إلا أن هذا الصمت قد يكون بحد ذاته “لغة سياسية”. ففي أروقة الدبلوماسية الرفيعة، غالباً ما تسبق التسويات الكبرى فترات من الهدوء الاستراتيجي. وسواء كان هذا الغياب يعكس رضا ضمنياً عن سير المفاوضات أو فرضته تعقيدات المشهد، فإن الرهان يظل قائماً على قدرة القيادة على إدارة الأزمة بعيداً عن ضجيج المنصات.
مراجعة التاريخ لضمان المستقبل
لا تزال ظلال “حوار صنعاء” الماضي تخيم على الذاكرة الجنوبية؛ حيث تم تصعيد شخصيات لا تملك رصيداً شعبياً لتمثيل الجنوب في مشهد افتقر للشرعية. لتجنب تكرار هذا الخطأ التاريخي، يجب أن يستند أي حوار قادم إلى ركائز ثلاث لا تقبل المساومة:
الجغرافيا والسيادة: التمسك بحق احتضان الحوار على التراب الجنوبي كخيار أول.
الشمولية النوعية: صهر كافة التباينات الجنوبية في بوتقة واحدة لضمان تمثيل “الكل الجنوبي”.
العدالة الديموغرافية: صياغة تمثيل عادل يعكس الثقل السكاني والجغرافي الحقيقي.
مقتضيات المرحلة
إن الواقعية السياسية تحتم علينا الإقرار بأنه إذا استدعت الضرورات الجيوسياسية الانعقاد في الرياض، فإن المشاركة لا بد أن تكون “هجوماً سياسياً” لا مجرد حضور بروتوكولي. يتطلب ذلك الدفع برجال دولة يمتلكون “الفراسة الدبلوماسية” والقدرة على قراءة ما بين السطور، لضمان تحويل الضغوط إلى مكاسب.
إن الجنوب اليوم لا يحتاج إلى عواطف تأكله من الداخل، بل إلى عقول باردة تدير صراع الإرادات في الغرف المغلقة، مع الحفاظ على وحدة الصف كخط أحمر لا يقبل التأويل.

عبدالسلام بن سعادين
2 فبراير 2026م