
عشر سنوات مضت، لم تكن مجرد أرقام في تقويم الزمن، بل كانت معولاً هدم الكثير من الثوابت في وجدان الإنسان الجنوبي. في هذا العقد الأخير، تداخلت الألوان حتى استعصى على المرء تمييز الراية من الكفن، واختلطت أصوات الرصاص بضجيج الشعارات، لينبثق من خلف الغبار سؤالٌ وجودي يتردد في أروقة النخب ومجالس العامة: أين ذهب الوطن
حين يتحدث الدكتور فضل الربيعي عن “مرحلة خطيرة يضمحل فيها معنى الوطن”، فهو لا يصف أزمة سياسية عابرة، بل يشخص “تآكلاً في الهوية الجامعة” لصالح هويات صغرى قتلت الروح الوطنية. هذا الاضمحلال ليس صدفة، بل هو نتاج طبيعي عندما تتحول جغرافيا الأرض إلى ساحة لتصفية الحسابات.
وعلى المقلب الآخر، يرى الصديق عبدالله جازع الفطحاني أننا استهلكنا زمن “الرويبضة” حتى ثمالته، ذاك الزمن الذي تنبأ به المصطفى ﷺ حين يتكلم التافه في أمر العامة. لقد أصبح التافهون اليوم هم بوصلة الرأي العام، يقودون القطيع عبر منصات التواصل الاجتماعي، يصنعون وعياً زائفاً، ويحولون القضايا المصيرية إلى “ترندات” فارغة المحتوى.
إن ما نعيشه اليوم هو تجسيد حي لما حذر منه ابن خلدون في مقدمته؛ فالعمران يفسد حين تؤول الأمور إلى “الطبقات الرثة” التي تفتقر للشرف والقدرة، وتستمد بقاءها من الفوضى والفساد.
دخل التحالف العربي المشهد بآمال عريضة، لكن الصراع الطويل حوّل الحلفاء إلى لاعبين بـ”أطماع” جيوسياسية، وحوّل الأرض إلى رقعة شطرنج. وسط هذا الصراع، برز “المال المدلس” كأداة لتركيع الإرادة الوطنية؛ فالجوع الذي نخر عظام البسطاء لم يكن قدراً، بل كان سلاحاً يُستخدم لترويض المواقف.
لقد أدرك الخصوم، ومن خلفهم القوى الإقليمية، نقاط ضعفنا ببراعة: النزعات المناطقية وشهوة السلطة. وحين يدخل “التجار” غمار السياسة مستغلين هذه الثغرات، تتحول القضية إلى “استثمار مالي”. هؤلاء التجار استقطبوا شخصيات سياسية مناطقية، وباعوا واشتروا في سوق الولاءات، ليصبح الوطن في نظرهم مجرد “صفقة” رابحة.
المأساة الكبرى تجلت في تحول الأحزاب السياسية إلى “عصابات ومافيات” تتقن فنون الإغواء والاستقطاب. لم تعد البرامج الحزبية تهدف لبناء دولة، بل لخدمة “أجندات خارجية” مقابل مكاسب شخصية ضيقة.
انجرفت النخب، التي كان يُفترض بها أن تكون صمام الأمان، نحو التبعية المناطقية. صار المثقف يبرر للقائد “المنطقي” خطأه، والسياسي يرهن قراره للخارج، وكل ذلك في دوامة من “الأزمات المفتعلة” (كهرباء، رواتب، غلاء) التي تُبقي المواطن في حالة ركض دائم خلف رغيف الخبز، فلا يجد وقتاً ليسأل عن سيادة أو كرامة
يا دكتور فضل، ويا كل من يبحث عن ملامح الوطن في ركام السنين: لا تسأل عن الوطن إطلاقاً. فالوطن لا يهرب، بل نحن من نغادره حين نتنازل عن مبادئنا.
السؤال الحقيقي الذي يجب أن يوجهه كل واحد منا لنفسه في هذه الفوضى العارمة هو: هل لازلت أنت كما أنت؟ أم أنك غرقت في مستنقع “المصلحة الشخصية” حتى أصبحت جزءاً من هذه الفوضى؟
حين تصبح النخب والقيادات هي “الرويبضة” التي تتاجر بالجوع والألم، فإن الوطن ينسحب بصمت من الوجدان، ولا يبقى منه سوى رسم على خريطة، أو حلم مؤجل في انتظار زمن يتطهر فيه الشرف من دنس المال المدلس.








