سما نيوز

القضاء بين الدعم المالي وامتحان الإصلاح المؤسسي

.

شكّل الدعم المالي الأخير الذي تلقّاه القضاة وأعضاء النيابة والموظفون الإداريون في مناطق الحكومة الشرعية خطوة لافتة، حملت في مضمونها رسالة سياسية عميقة قبل أن تكون مادية؛ مفادها أن استقرار الدولة يبدأ من استقرار مؤسساتها العدلية، وأن إنصاف “سدنة العدالة” شرطٌ لا غنى عنه لإعادة الاعتبار لهيبة القانون وضمان سيادته.
ويُحسب للمملكة العربية السعودية، بقيادة خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود، هذا الدعم السخي الذي جاء في توقيت حرج، ليمكّن رجال القضاء من مواجهة أعباء الحياة في ظل ظروف اقتصادية استثنائية؛ وهو أمر يُفترض أن ينعكس إيجاباً على نزاهة الأداء، ويصون استقلال القرار القضائي من أي مؤثرات قد تفرضها الحاجة.
الإصلاح.. ما وراء الدعم المالي
غير أن الدعم المالي، مهما بلغت أهميته، لا يمكن أن يكون بديلاً عن “الإصلاح المؤسسي” الجذري. فالقضاء لا يُقاس بميزانياته، بل بما يُنجزه من عدالة ناجزة، وبما يفعّله من أدوات الرقابة الصارمة على أعضائه، وبمدى شعور المواطن بوجود ملاذ آمن ينصفه ويحمي حقوقه.
إن أحد أبرز التحديات التي تواجه المؤسسة القضائية اليوم، يتمثل في “عطالة” أجهزة التفتيش القضائي؛ حيث تتكدس شكاوى المواطنين منذ سنوات دون حسم أو فصل، في مشهد يقوّض الثقة العامة بالمنظومة. وما يثير القلق، هو إفادات العديد من المحامين حول تقديم عشرات البلاغات ضد قضاة وأعضاء نيابة دون تحريك أي إجراء تأديبي، بل إن المفارقة الصادمة تكمن في ترقية بعض هؤلاء المشكوّ بهم، مما يضع علامات استفهام كبرى حول معايير المحاسبة والشفافية داخل أروقة السلطة القضائية.
واجبات السلطة الدستورية
القضاء، بوصفه سلطة دستورية مستقلة، لا يكتمل دوره ما لم يضطلع بمسؤوليته في حماية المال العام والخاص، ومكافحة جرائم غسل الأموال، والإشراف الصارم على أوضاع السجون، وضمان تنفيذ الأحكام القضائية من قِبل جهات الضبط. فتعطيل تنفيذ حكم قضائي لا يقل خطورة عن جريمة تعطيل العدالة ذاتها، ومساءلة المتقاعسين عن التنفيذ هي جوهر هيبة القضاء.
كما يظل ملف “التعيينات والترقيات” الاختبار الأصعب لنزاهة المؤسسة؛ إذ لا يمكن الحديث عن إصلاح في ظل تغليب التوصيات والوساطات على معايير الكفاءة والخبرة. فالقاضي لا يُعيَّن لمكانته الاجتماعية أو صلاته السياسية، بل لعدله واستقامته، لأن القضاء هو الحصن الأخير الذي يجب أن يظل منيعاً ضد منطق النفوذ والمحسوبية.
خاتمة واستحقاق
إن الرهان الحقيقي اليوم يكمن في تحويل هذا الدعم المالي إلى نقطة انطلاق لإصلاح شامل يعيد القدسية للمهنة القضائية، ويحفظ للقاضي كرامته، ويمنح المواطن اليقين بأن حقه لن يضيع في دهاليز الإهمال أو التواطؤ.
إن الدولة التي تنشد الاستقرار، لا بد أن تبني قضاءً مستقلاً، نزيهًا، وخاضعاً للمساءلة؛ ليكون ملاذاً للمظلومين لا عبئاً عليهم. فالعدالة، حين تُبنى على أسس متينة، تصبح الضمانة الأقوى للسلم الاجتماعي، والتعبير الأصدق عن جوهر الدولة وهيبتها.