بين استحقاق الحضور وأفول الأيديولوجيا

30 يناير 2026آخر تحديث :
بين استحقاق الحضور وأفول الأيديولوجيا


بقلم: حسين الناخبي


لم يكن صعود محافظ عدن وقائد قوات العمالقة الجنوبية إلى هرم المسؤولية مجرد هبةٍ جاد بها ميزان “رشاد العليمي”، ولا هو ثمرة لمزاج سياسي عابر تذروه رياح التغيير؛ بل كان تجسيداً لواقعٍ فرضته الميادين، وترجمةً لثقلٍ اجتماعي وقبلي لا يقبل القسمة على التهميش. إن محاولة تصوير هذا الحضور كمنحة شخصية هي قراءة “معكوسة” للواقع؛ فهؤلاء القادة لم يستمدوا شرعيتهم من ريشة توقيع، بل من أمانة المسؤولية، وحكمة الإدارة، وشجاعة الميدان. لقد أدرك التحالف والعليمي معاً أن البديل هو الفراغ والفوضى، وأن الشارع لا ينحني إلا لمن زاوج بين القوة والنزاهة.
أما لغة التخويف وبث هواجس “الغدر المحتمل”، فما هي إلا بضاعة “استهلاكية” كاسدة لا تجد لها صدى لدى من خبروا كواليس السياسة الوعرة. فالقادة الذين يضربون بجذورهم في وجدان الناس ورصيدهم الوطني الناصع، لا تُسقطهم جرة قلم في بيان، ولا يُقذف بهم خارج الحلبة؛ لأنهم ببساطة أعمدة التوازن في المعادلة، وليسوا مجرد أدوات تتحرك فوق رقعتها.
ومن المريب في هذا الخطاب المتشنج، صمته الطويل لعشر سنوات عجاف عن سياسات الفساد والإقصاء الممنهج، واكتفاؤه بتبادل “الرسائل الناعمة” مع رفاق الأمس. واليوم، يستيقظ فجأة على وقع الوعيد، لا لانتصارٍ لدولة، بل لأن يد القانون طالت “جمعية وطنية” لكيانٍ حلّ نفسه بنفسه. هنا يتجلى الجوهر: فالانفعال ليس ذوداً عن قانون، بل هو نحيبٌ على منظومة أيديولوجية، رغم أن صاحب الخطاب نفسه كان أول من تجرع مرارة التهميش داخل أروقتها.
إن إغلاق مقر الجمعية الوطنية ليس استهدافاً للجماهير، بل هو إجراء سيادي طبيعي؛ فالدولة لا تعترف بحصانةٍ خارج أطرها، ولا بمقارّ تتربع فوق القانون. إن محاولة العزف على أوتار العاطفة لتمرير نفوذٍ تهاوى غطاؤه، هي محاولة يائسة لخلط الأوراق.
إن الجنوب اليوم في أمسّ الحاجة إلى هيبة الدولة لا إلى ترهيب الخطابات، وإلى رسوخ المؤسسات لا إلى قداسة التنظيمات. يحتاج إلى قادةٍ يبنون بحزم، بعيداً عن ضجيج التهديد بالنار كلما اهتزت عروش المصالح القديمة. وعلى أولئك المراهنين على قلب الطاولة أن يدركوا يقيناً: أن الطاولات لا تُقلب بالصراخ، بل تُشيّد بدعائم العدل، والقانون، والواقع الجديد الذي نبتت جذوره في عمق الأرض.

29 يناير 2026
؟