أختام الدولة أم أختام تجارية؟.. عيدروس صلاح يكتب عن “خصخصة” الوزارات وعقلية الغنيمة

28 يناير 2026آخر تحديث :
أختام الدولة أم أختام تجارية؟.. عيدروس صلاح يكتب عن “خصخصة” الوزارات وعقلية الغنيمة
سمانيوز/ عيدروس صلاح /خاص SMA

إن جوهر مفهوم الدولة يقوم على فكرة المجال العام؛ ذلك الفراغ الذي يملؤه القانون لخدمة الجميع بالتساوي، ولكن حين تتحول الوزارة من أداة تنفيذية لخدمة الشعب إلى شركة خاصة تدار بعقلية الربح الشخصي والمحسوبية، فإننا لا نتحدث هنا عن فساد إداري فحسب، بل نتحدث عن تحلل لمفهوم الدولة من أساسه.
في الدول التي تعاني من هشاشة المؤسسات، لا يتم بيع الوزارات في مزادات علنية، بل تُصادر فعلياً حين يضع الوزير يده على هيكلها التنظيمي؛ هنا لا يصبح الاستحقاق هو معيار التوظيف بل الولاء، تتحول الميزانيات من بنود للتنمية إلى سيولة لتمويل الولاءات السياسية أو الثراء الفاحش.
مظاهر التحلل المؤسسي:
التعيينات العائلية والحزبية: تحويل الهيكل الإداري إلى شجرة عائلة أو قائمة أصدقاء.
المناقصات المشبوهة: إرساء المشاريع على شركات واجهة تابعة للوزير أو المقربين منه، أو من خلال شراكة النسبة.
غياب المساءلة: التعامل مع موارد الوزارة وكأنها أرباح دورية لا تخضع لرقابة أو محاسبة، مع تجميد نشاط الجهات الرقابية للوزارات والإدارات الحكومية.
الفرق بين رجل الدولة والمدير التنفيذي للفساد
رجل الدولة يرى في الوزارة تكليفاً مؤقتاً لحماية المصلحة العامة، أما الوزير المستثمر فيراها فرصة استثمارية بجدول زمني محدد بفترة بقائه في المنصب. هذا النمط من الإدارة يقتل الاستمرارية المؤسسية؛ فكل وزير جديد يأتي ليهدم ما بناه سلفه ويبدأ مشروعه الخاص من الصفر، مما يجعل الدولة تدور في حلقة مفرغة من الهدر.
التبعات.. سوس ينخر في عظم الوطن
عندما تصبح الوزارات شركات خاصة تظهر النتائج الكارثية سريعاً:
فقدان الثقة بالدولة: يشعر المواطن أنه زبون في مؤسسة لا تخدمه إلا إذا دفع، وليس مواطناً له حقوق.
هجرة الكفاءات: حين تُسد أبواب الترقي أمام المبدعين لصالح أهل المحسوبية، تهاجر العقول ويبقى في المؤسسة أو الوزارة المصفقون فقط.
فالعقل والمنطق يقول لا بديل عن دولة المؤسسات؛ إن بناء الدولة يبدأ من نقطة واحدة: الفصل التام بين المنصب العام والمنفعة الخاصة. لا يمكن لكيان سياسي أن يصمد إذا كان وزراؤه يتعاملون مع أختام الدولة وكأنها أختام شركاتهم التجارية.
إن استعادة الدولة تبدأ بفرض سيادة القانون وتفعيل الرقابة الصارمة والمحاسبة، وتفعيل دور الجهات الرقابية الإشرافية في الوزارات وجعل الشفافية هي اللغة الوحيدة التي تتحدث بها الميزانيات. وبدون ذلك، سنظل نعيش في أشباه دول تُدار بعقلية الغنيمة، بينما يظل الوطن هو الخاسر الأكبر في هذه الصفقة الخاسرة.