لماذا سوريا وليس اليمن؟ قراءة متعمقة لأولويات المنطقة
في خضم التفاعلات المعقدة التي تشكل ملامح منطقة الشرق الأوسط، يتبادر إلى الذهن سؤال ملح: لماذا يبدو التركيز الاستراتيجي لبعض القوى الإقليمية، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية ودول الخليج، منصبًا بشكل أكبر على سوريا مقارنة باليمن، على الرغم من التحديات الأمنية المباشرة التي تمثلها الأخيرة؟ محاولة الإجابة على هذا السؤال تتطلب تحليلًا منطقيًا للأحداث وتحديدًا للأولويات الاستراتيجية لكل ملف.
إن النظر إلى سوريا من منظور استراتيجي يكشف عن دورها المحوري في قلب ما يُنظر إليه كساحة نفوذ إيراني واسعة.
فسوريا ليست مجرد دولة أخرى في المنطقة؛ إنها نقطة ارتكاز أساسية في الهلال الذي يُقال إن إيران تسعى لترسيخه. من هذا المنطلق، يصبح العمل على استعادة سوريا كدولة قوية عسكريًا واقتصاديًا هدفًا استراتيجيًا ذا أبعاد بعيدة المدى بالنسبة للسعودية ودول الخليج.
المنطق هنا بسيط وواضح: سوريا القوية، المدعومة خليجيًا وربما تركيًا، يمكن أن تتحول إلى قوة موازنة حقيقية، بل و”خنجر في خاصرة” النفوذ الإيراني. إن إعادة بناء جيش سوري قوي خلال فترة وجيزة، كما تفترض، سيخلق بؤرة انشغال لإيران، تمامًا كما فعلت الحرب العراقية الإيرانية في ثمانينيات القرن الماضي.
فكلما كانت إيران منشغلة في ساحة أخرى، قلّ تأثيرها وقدرتها على التوسع في مناطق أخرى. إن أي استثمار في استقرار وقوة سوريا يُنظر إليه كاستثمار في إعادة التوازن الإقليمي وتقويض النفوذ الإيراني المتصاعد.
سوريا، بهذا المعنى، تمثل عمقًا استراتيجيًا حيويًا لإعادة تشكيل خريطة القوى في المنطقة.
على النقيض من ذلك، يُنظر إلى اليمن من منظور مختلف، وإن كان لا يقل أهمية.
التحدي في اليمن يكمن في كونه تهديدًا أمنيًا مباشرًا لحدود المملكة العربية السعودية ودول الخليج. الموقع الجغرافي لليمن، بمحاذاته الطويلة للحدود الجنوبية للمملكة وامتداده على مضيق باب المندب الاستراتيجي، يجعله مصدر قلق أمني دائم في ظل عدم الاستقرار.
أما البعد الاقتصادي، كما تفترض، فيحمل منطقًا مختلفًا. الاستقرار الاقتصادي في اليمن، بما يمتلكه من إمكانات ساحلية وجزر استراتيجية وثروات طبيعية، قد يُنظر إليه من قبل البعض على أنه قد يخلق منافسة اقتصادية لدول الخليج، خاصة في قطاعات الاستثمار والموانئ. ومع ذلك، فإن هذا المنظور الاقتصادي غالبًا ما يكون ثانويًا مقارنة بالهاجس الأمني المباشر الناتج عن حالة عدم الاستقرار والفراغ الأمني في اليمن.
لماذا التركيز على سوريا أولًا؟
قد يطرح السؤال: لماذا التركيز على سوريا أولًا رغم التهديد اليمني المباشر؟
الإجابة المحتملة تكمن في طبيعة التهديد وأبعاده الاستراتيجية. التهديد الإيراني، كما يُنظر إليه، هو تهديد إقليمي أوسع وأكثر تأثيرًا على المدى الطويل. استعادة سوريا كقوة فاعلة يمكن أن يقلل من هذا التهديد بشكل كبير ويغير موازين القوى على مستوى المنطقة بأكملها.
بالمقابل، يمثل اليمن تهديدًا أمنيًا مباشرًا ومحليًا أكثر. التعامل معه قد يتطلب مقاربات مختلفة تركز على الأمن الحدودي ودعم الاستقرار الداخلي، ولكن تأثيره الاستراتيجي على مستوى المنطقة قد يكون أقل شمولية من تأثير استعادة سوريا.
خلاصة منطقية للأولويات
إن تحديد الأولويات في السياسة الإقليمية غالبًا ما يخضع لحسابات معقدة تأخذ في الاعتبار طبيعة التهديدات وحجم التأثير المحتمل لأي تحرك. قد يُنظر إلى استعادة سوريا كخطوة استراتيجية ضرورية لمعالجة تهديد إقليمي أوسع وإعادة التوازن إلى المنطقة، حتى لو كان ذلك يعني تخصيص موارد وجهود أقل مؤقتًا للملف اليمني، الذي يمثل تهديدًا أمنيًا مباشرًا ولكنه قد يُعالج بآليات مختلفة فمثلاً أن يكون في حالة ضعف تام إقتصاديا مع تجميد أي نشاط اقتصادي و لو جزءيا حتى لأ يتمكن من الاستقلال بالقرار مما يمكن المملكة العربية السعودية بسيطرة على هذه البقعة الجغرافية المسماة اليمن آلتي ضلت وما زالت تثير هواجس السعوديه في الحاضر والمستقبل وتاريخياً.
في نهاية المطاف، فإن الإجابة على سؤال “لماذا سوريا وليس اليمن؟” تكمن في فهم الأولويات الاستراتيجية التي تحرك الفاعلين الإقليميين، حيث يُنظر إلى سوريا كعنصر أساسي في إعادة تشكيل موازين القوى الإقليمية ومواجهة نفوذ منافس، بينما يُتعامل مع اليمن كملف أمني مباشر يتطلب حلولًا تركز على الاستقرار المحلي والأمن الحدودي.
