سما نيوز

القات: آفة المجتمع اليمني

.

اليوم قررت أن أكتب عن موضوع مهم جدًا، وأعلم أن كلامي لن يعجب أحدًا أو قد يعجب به القليل، ولكن لن يؤخذ على محمل الجدية. هل تتساءلون عن ماهيته ومضمونه؟ سأخبركم عنه، لا داعي للاستعجال. إنه موضوع تلك النبتة الخبيثة التي غزت عقول الكثيرين وتملكت قلوب شعب بأسره، وجعلتهم يعطونها الأولوية حتى لو كان على حساب أنفسهم وأبنائهم وأسرهم التي تعاني الفقر.

في أحيان كثيرة أسأل نفسي، ولكنني لا أجد الجواب الشافي. فهل تمتلكه عقولكم الحكيمة، ياترى؟ ما الذي جعل رب الأسرة في المجتمع اليمني يفضل نبتة القات عن نفسه أولًا وعن أسرته ثانيًا؟ ما الذي جعله يترك أبنائه يتضورون من الجوع؟ ما هو الشيء الذي دفعه ليذهب لشراء القات، ويتناسى وأجبه تجاه أبنائه؟ هل نسي أم أنه يتناسى؟ ألا يعلم أنه محاسب على ما يفعله إتجاه أبنائه؟

يشعر الأبناء بالقهر حينما يذهب والدهم للسوق ولا يعود لهم إلا بكيس ممتلىء بالقات فقط. وهم يأكلون رزًا فقط دون شيء آخر يتخصرون عليه سوى الماء، لاكون منصفًا. تخلوا المائدة من أبسط الأساسيات، لا خضار ولا فواكة، وكل هذا يسمونه ترفًا ويتذرعون بغلا الأسعار وارتفاع الصرف. أوضاع البلاد إلى الأسوأ، ونحن ننجر وراء التفاهات.

نعم، تفاهة أن تترك أبنائك يتضورون من الجوع، وأنت دون ذرة مبالاة تذهب لتشتري القات بالآلاف، تتسلف وتتكلف من أجل ماذا؟

أنا أعلم أن الندم يرواد كل واحد منكم بعد أن يقوم برمي القات، وأعلم أنكم تستذكرون في أذهانكم مشهد أطفالكم وهم يتلوّن من الجوع، وأعلم أنكم تقولون بينكم وبين أنفسكم لو كنا اشترينا لأطفالنا ما كنا نستسغره على فلذات أكبادنا لكان هذا خيرًا بألف مرة من القات.

وبعضهم يعد نفسه أنه سيقوم بواجبه إتجاه أسرته، وسرعان ما يتخلى عن وعده في اليوم التالي.

يا من تمضغون القات، أنتم تعرفون أكثر من أي شخص آخر أن ما تفعلونه هو الخطأ.

من أغبى الجمل التي سمعتها، وسبب استمرارنا بما نفعله، هي الجملة نفسها ولن يفهم كلامي إلا خبراء علم النفس. لأنهم يعرفون تأثير الكلمات التي نحدث بها عقولنا، ويقوم عقلنا الساذج بتصديقها وتحويلها إلى حقائق ملموسة.

لن ألومكم عن عدم معرفة هذا لأنكم لستم خبراء علم نفس، سأتحدث بشكل مفصل في كتابي القادم عن هذه المواضيع المعقدة لمن لا يعرفها، وسأتحدث في الكتاب عن كيفية التخلص من العادات السيئة التي شكلتها وحسنتها عقولنا الساذجة لتكون حسنة، وبالتالي نستمر في ممارستها بكل اقتناع.

نسيت أخباركم عن الجملة، أنها “لا أستطيع ذلك”. لا أستطيع التوقف عن مضغ القات. لا أستطيع الإقلاع عن التدخين. هذه الجملة هي سبب استمرارنا، وهي حقيقة مثبتة.

المفتاح في أيدينا. القات نبتة خبيثة، ورغم ما فيها من سلبيات كثيرة جدًا، إلا أني لا أعارض بشكل كامل مضغها وتعاطيها، لأنني أعلم أن عزيمتكم لن تسعفكم.

لن أقول لك لا تشتري القات، ولكن قبل أن تشتريها فكر ماذا سيتناول أبناؤك على الغداء.

هذا ابتلى عظيم ابتلى به شعبنا اليمني. نسأل من الله أن يكون في عون تلك الأسر التي ليس لها حيلة أو قوة. وإن يرفع هذا الابتلاء عن هذا الشعب العظيم

ونسأل من الله أن يهدي كل رب أسرة وكل شاب بدأ مشوار أبيه، في الانجرار وراء التفاهات التي لن توصلنا إلى أي مكان، والدليل هو أمامنا. فلو مضينا في نفس الدرب الذي مشى فيه آباؤنا فستكون نهايتنا مثلهم. سيكون لدينا أسر تفتقر إلى أبسط مقومات المعيشة، وأبناء يتجرعون مرارة القهر من جراء ما يفعله آباؤهم.

أن لم تصدقوني، اسألوا كبار السن هذا السؤال: هل أنت مرتاح الضمير بما قدمته وتقدمه لأسرتك وأبنائك في ظل وجود هذه الآفة الخطيرة؟ ليست المشكلة وجودها على أرض الواقع، بل إن المشكلة الحقيقية هي كيفية تصورها في عقولنا.