سما نيوز

حضرموت .. رهينة صراعات النفوذ والأنا المتضخمة

.

تعيش حضرموت اليوم وسط دوامة من الأزمات التي لم تكن لتصل إلى هذا الحد لولا تفشي الأنا المتضخمة بين بعض الفاعلين في المشهد السياسي والاجتماعي، هذه الأنا التي جعلت المصالح الشخصية فوق كل اعتبار، وحولت المحافظة التي تمتلك من المقومات الاقتصادية والتاريخية ما يؤهلها للنهضة إلى أسيرة لصراعات النفوذ والتنافس غير المسؤول، تعدد مراكز القوى والتداخل في الولاءات جعل القرار الحضرمي ممزقًا بين عدة أطراف، مما أدى إلى حالة من الشلل في التنمية وتعثر المشاريع الحيوية، إذ باتت كل جهة تسعى لفرض سيطرتها دون النظر إلى النتائج الكارثية على المواطن البسيط .

إن حضرموت، التي كانت على مر العصور نموذجًا للاستقرار والازدهار، قد تحولت اليوم إلى ساحة للصراعات التي تهدد بتدمير كل ما بناه الأجداد، في الماضي، كانت حضرموت مهدًا للسلام والتطور، حيث تعايش الناس في تناغم، مستفيدين من غناها بالموارد الطبيعية، والعمل في التجارة في كافة أنحاء العالم، لكن اليوم، صارت عزلتها جغرافيًا وتعدد القوى المتنافسة داخليًا عاملًا مساعدًا في تأخير أي مشروع تنموي حقيقي، الصراعات التي هيمنت على المشهد الحضرمي أضعفت المؤسسات وحولتها إلى أدوات للصراع على السلطة والنفوذ، بعيدًا عن مصالح المواطنين .

إهمال الأولويات لصالح المكاسب الشخصية أصبح السمة الغالبة في المشهد، فبدلًا من التركيز على بناء المؤسسات وتحسين الخدمات، ينشغل البعض بحسابات الربح والخسارة السياسية، وتبقى المشاريع التنموية حبيسة المساومات والتجاذبات، الصراعات لم تعد خلافات في الرؤى، بل تحولت إلى معارك استنزاف لا رابح فيها سوى الفوضى، مما انعكس على حياة الناس في شكل ضعف في الخدمات، وتدهور في الاقتصاد، وانعدام للاستقرار .

الأمر لا يتوقف عند هذا الحد، فالأنا المتضخمة أفرزت ظاهرة أخرى أكثر خطورة، وهي تهميش الكفاءات واستبدالها بالولاءات، أصبح الولاء أكثر أهمية من القدرة، والنتيجة أن مؤسسات الدولة تدار بعقلية المحسوبية لا بعقلية التخطيط والبناء، مما جعلها عاجزة عن تحقيق أي إنجاز حقيقي، حضرموت ليست فقيرة بالموارد، لكنها تعاني من أزمة قيادة ورؤية، حيث طغت المصالح الشخصية على المشهد العام، فأصبحت السلطة وسيلة للنفوذ بدلًا من أن تكون وسيلة للبناء .

المشهد الحضرمي لا يمكن فصله عن التدخلات الخارجية التي تؤثر بشكل مباشر في سير الأحداث، لا شك أن القوى الإقليمية والدولية لها دور في تعزيز هذه الصراعات، مما يزيد الوضع تعقيدًا ويعمق الانقسامات، فكل طرف يحاول أن يستثمر الوضع لصالحه، مما يضعف فرص الحلول المستدامة .

لا يمكن لحضرموت أن تنهض طالما أن هذه العقلية النفعية هي التي تحكم المشهد، المطلوب اليوم إعادة ترتيب الأولويات بحيث تكون المصلحة العامة فوق المصالح الشخصية، وعلى المجتمع أن يعي خطورة هذه الأنا التي تعطل كل مشروع مستقبلي، لن يكون هناك أي تغيير ما لم تُمنح الفرصة للكفاءات الحقيقية بعيدًا عن منطق المحاباة والمزايدات .

الجيل الشاب في حضرموت يعاني من أزمة حقيقية، فالشباب الذي كان يمكن أن يكون قوة دافعة للنمو والتطور، يجد نفسه محاصرًا بين ضعف الفرص وغياب الاستقرار، هذا يؤدي إلى هجرة العقول والتفريط في المستقبل .

لن يكون هناك تقدم حقيقي في حضرموت ما لم يُؤسَّس لبيئة سياسية واجتماعية صحية، حيث تتحقق العدالة وتُحترم الكفاءات، الحل يكمن في توحيد الصف الحضرمي، وتشكيل رؤية موحدة تتجاوز المصالح الشخصية، وتعزيز المؤسسات المدنية القادرة على كبح نفوذ الأفراد المتصارعين، عندها فقط يمكن لحضرموت أن تستعيد مكانتها وتحقق تطورها المستدام .

إن لم يكن هناك وعي مجتمعي وسياسي يعيد الأمور إلى نصابها، فستبقى حضرموت رهينة لهذه الأنا المتضخمة، تدور في نفس الدائرة دون أي تقدم ملموس .