سما نيوز

حضرموت .. بين شراء الولاءات والانفجار المحتوم

.

تشهد حضرموت حالة من الترقب الحذر في ظل صراع سياسي متصاعد يتخذ أشكالًا متعددة، تتراوح بين المواجهات العلنية والمناورات الخفية، ورغم أن الأوضاع تبدو هادئة على السطح، إلا أن الواقع يكشف عن مرحلة كسر عظم بلا أدوات حقيقية، حيث تتراجع بعض القوى المتنفذة عن وعودها وتهديداتها، ما يعكس هشاشة المشهد السياسي القائم .

لم يعد خافيًا أن المال السياسي أصبح الوسيلة الأبرز لإدارة المشهد، حيث يجري شراء الولاءات وإسكات الأصوات، مما أدى إلى تغييب أدوات التغيير الحقيقي، لقد باتت بعض القيادات تتعامل مع السلطة كسلعة تُباع وتُشترى، حيث يتم توظيف النفوذ والموارد لإعادة إنتاج نفس القوى التقليدية، ومن أبرز الأمثلة على ذلك تبدل مواقف بعض الشخصيات بين ليلة وضحاها، بما يتناسب مع مصالحها المالية والسياسية، وهو ما خلق حالة من الإحباط لدى الشارع الذي يجد نفسه متفرجًا على مشهد يتكرر بلا تغيير حقيقي .

في المقابل، يتزايد الاحتقان الشعبي مع استمرار الأزمات المعيشية والخدمية، حيث بلغ مستوى غير مسبوق، ما يجعل الانفجار مسألة وقت لا أكثر، لكن يبقى السؤال :
هل سيكون هذا الانفجار منظمًا يقود إلى تغيير حقيقي، أم أنه سيتحول إلى حالة من الفوضى تخدم ذات القوى المتنفذة التي تتحكم بالمشهد اليوم ؟
إن التجارب السابقة في مناطق أخرى أثبتت أن الاحتجاجات غير الموجهة بوعي سياسي قد يتم استغلالها وإجهاضها لصالح أطراف تسعى لإعادة تشكيل المشهد وفق مصالحها الخاصة .

ومع اقتراب شهر رمضان، يتكرر السيناريو المعتاد، حيث تتوقف الصراعات الظاهرة، ويتم التفرغ لترتيب الولائم السياسية وإعادة توزيع المصالح، لكن هذه التهدئة المؤقتة لا تعني أن الأزمة انتهت، بل إنها أشبه بإعادة تموضع للقوى المتنافسة استعدادًا لجولة جديدة من المواجهة، كما أن هذه المرحلة توفر فرصة لإعادة رسم التحالفات وإعداد استراتيجيات جديدة للحفاظ على النفوذ .

وفي ظل هذا المشهد، برز شعار مكافحة الفساد كأداة تُرفع من قبل بعض الجهات بغرض توجيه الرأي العام في اتجاهات معينة تخدم مصالحها، فبدلًا من أن يكون هذا الشعار خطوة حقيقية نحو الإصلاح، أصبح يُستخدم كوسيلة لتصفية الحسابات السياسية، وإعادة توزيع النفوذ بين المتصارعين، دون أن ينعكس ذلك على تحسين الأوضاع المعيشية أو إحداث تغيير جوهري في منظومة الحكم والإدارة .

حضرموت اليوم أمام مفترق طرق؛ فإما أن تتجه نحو حلول جذرية تعيد ترتيب المشهد على أسس جديدة، أو أن تستمر في الدوران في نفس الحلقة المفرغة حتى تصل إلى نقطة اللاعودة، إن بناء وعي مجتمعي قادر على إدراك المخاطر والاستفادة من الفرص المتاحة يعد الخطوة الأهم لضمان أن يكون التغيير القادم في مصلحة الجميع، وليس مجرد إعادة إنتاج للأزمات ذاتها، الحل لا يكمن فقط في تغيير الأشخاص، بل في تغيير النهج، وإعادة الاعتبار لمبدأ الشفافية والمحاسبة، وإشراك المجتمع في صنع القرار بعيدًا عن الإقصاء والارتهان للمال السياسي .

إن مستقبل حضرموت مرهون بقدرة أبنائها على تجاوز المصالح الضيقة وتشكيل رؤية سياسية متكاملة تضمن انتقالًا سلسًا نحو مستقبل أكثر استقرارًا، فهل سنشهد تغييرًا حقيقيًا، أم أن سيناريو إعادة التدوير سيبقى هو سيد الموقف؟
هذا ما ستكشفه الأيام القادمة .