في عدن، لا يكاد يمر يوم إلا ويكشف عن مشهد جديد من مشاهد الفساد الذي يطال كل جوانب الحياة، هذه المرة، “ثنائية الحوش والماجستير” تقدم مثالًا صارخًا على كيف أن الفساد قد نخر في أعماق الدولة، وأصبح جزءًا لا يتجزأ من الواقع الذي نعيشه، من سرقة الأرض إلى تزوير الإنجازات الأكاديمية، يستمر المواطنون في دفع ثمن هذه الممارسات البائسة التي تعكس غياب العدالة والمحاسبة .
إحدى أكثر الحوادث التي كشفت عن الفساد المستشري هي عملية السطو على حوش أو أرضية مسورة تتبع لجهة حكومية، في حادثة تعكس الفوضى والتسيب الذي يعيشه القطاع الحكومي، وفي وقت يئن فيه المواطنون من نقص الخدمات الأساسية، يجد الفاسدون طريقهم للاستيلاء على ممتلكات الدولة دون أدنى خوف من المحاسبة، هذه الواقعة هي مجرد جزء صغير من سلسلة طويلة من السرقات والفساد الذي يتم داخل المؤسسات الحكومية، مما يزيد من شعور المواطنين بالعجز والخذلان .
وفي الجانب الأكاديمي، ظهرت قضية أخرى كانت بمثابة الصدمة للبعض، فقد تم التحقيق في حصول مسؤول كبير على درجة الماجستير بامتياز، رغم وجود شبهات حول أصالة البحث الذي قدمه، هذا التحقيق لم يكن ليتم لولا حرص رئاسة جامعة عدن على متابعة الموضوع وتشكيل لجنة تحقيق مستقلة لدراسة حيثيات القضية، ورغم أن التحقيق ما يزال مستمرًا، فإن الحادث يعكس التدهور الذي يطال حتى أرقى المجالات في الدولة، إذ أن الفساد ليس محصورًا في الأراضي والممتلكات فقط، بل يمتد ليشمل الجامعات والمؤسسات الأكاديمية، التي من المفترض أن تكون حصونًا للعلم والنزاهة .
ما نشهده في عدن هو تحلل مؤسسات الدولة، حيث أصبح الفساد ليس فقط ظاهرة، بل ثقافة يتبناها العديد من المسؤولين، ومع تزايد الأزمات الاقتصادية والاجتماعية، يُضاف إلى المعاناة اليومية للمواطنين انعدام الثقة في مؤسساتهم الحكومية، الفساد هنا لا يعطل التنمية فحسب، بل يعمق الأزمات ويزيد من حالة الاحتقان الشعبي .
لكن في الوقت الذي تتراكم فيه هذه المشاكل، لا تزال هناك فرصة لتغيير هذا الواقع المأساوي، إن محاربة الفساد يجب أن تكون على رأس أولويات الدولة، وهذا يتطلب إرادة سياسية حقيقية ونوايا صادقة للإصلاح، لا يكفي مجرد تشكيل لجان للتحقيق في الحالات الفردية، بل يجب أن تكون هناك استراتيجية وطنية شاملة لمكافحة الفساد، تشمل كل القطاعات والأنشطة الحكومية، وتضمن مساءلة حقيقية لكل من يثبت تورطه في قضايا فساد .
في هذا السياق، يُطرح السؤال الجوهري :
هل ستتمكن عدن من التخلص من هذا الفساد المستشري الذي يهدد كل شيء ؟
التغيير الحقيقي لن يكون ممكنًا إلا عندما يُحاكم الفاسدون ويتم استعادة المال العام، ويُعزز القانون بحيث لا يكون هناك أي استثناءات، إذا كانت عدن ترغب في الخروج من هذا المأزق، يجب أن يكون هناك إصلاح شامل في كل المؤسسات، مع استعادة الثقة بين المواطنين والدولة، هذا هو الطريق الوحيد لإعادة بناء الوطن بشكل صحيح .