سما نيوز

أوهام التغيير بين الخطاب والممارسة ::

.

في المجتمعات التي تفتقر إلى دولة المؤسسات الراسخة، يبرز مشهد مألوف يتمثل في صعود قيادات تُتقن رفع الشعارات الكبرى، بينما تنغمس في مستنقع المصالح الشخصية والفساد المستتر، هذه الظواهر ليست وليدة اللحظة، بل هي نتيجة تراكمات طويلة من الانحراف عن معايير المسؤولية والعدالة .

ما نشهده اليوم في أروقة جامعة عدن، وما يرافقه من صمت النخب السياسية، يعكس حالة من الانفصال الحاد بين الخطاب المثالي والواقع المُعاش، تلك القيادات التي تتنقل بين العواصم والفنادق الفاخرة، لم تعد قادرة على التفاعل مع معاناة المواطن الذي يرزح تحت وطأة انهيار الخدمات وارتفاع الأسعار بصورة جنونية .

الخطاب الإعلامي الرسمي لا يزال يسوّق لأوهام التغيير من خلال وعود جوفاء وحملات دعائية تهدف للتغطية على الفشل المتكرر، بدلاً من مواجهة التحديات بنزاهة وشفافية، يتم الالتفاف حول المشكلات الحقيقية بخطابات تفتقر إلى أي مضمون حقيقي .

الأخطر من ذلك هو تطبيع الفساد في الوعي الجمعي للمجتمع، حين يُصبح الفساد أمرًا معتادًا، بل مبررًا أحيانًا بحجة البقاء والاستمرار، تتآكل الثقة بين المواطن والدولة، وتُستنزف قيم العدالة والمساواة، هذا التطبيع يؤدي تدريجيًا إلى تفكك الروابط الوطنية، حيث يتحول الانتماء إلى شعار أجوف يخدم المصالح الضيقة بدلاً من الصالح العام .

لا يمكن الحديث عن الثورة التكنولوجية أو التنمية الاقتصادية في ظل انهيار الأسس الأولية للبنية التحتية، بدءًا من الأراضي الزراعية المنهوبة، والخدمات الصحية المتدهورة، وصولًا إلى نظام تعليمي بات أسيرًا للتسييس والتهميش .

الشباب، وهم الفئة الأكثر تضررًا، يمتلكون مفتاح التغيير، تمكينهم من المشاركة الفاعلة في الحياة العامة بعيدًا عن الاستقطابات المصلحية هو السبيل لبناء مستقبل مختلف، إلى جانب ذلك، فإن النخب الثقافية والإعلامية تتحمل مسؤولية كبرى في توجيه الوعي المجتمعي نحو قيم النزاهة والعدالة بدلًا من التواطؤ بالصمت أو الخطاب الضبابي .

التغيير الحقيقي لا يبدأ من النخب السياسية فحسب، بل من القواعد الشعبية الواعية بحقوقها، وعي المواطن ورفضه للتطبيع مع الفساد هو أساس أي عملية إصلاحية حقيقية .

المعضلة الكبرى ليست في عجز المواطن عن التغيير، بل في إصرار النخب الحاكمة على تكرار الأخطاء نفسها دون مراجعة أو مساءلة، مواجهة هذه الحقيقة بجرأة هو الخطوة الأولى نحو مستقبل أفضل يعيد الثقة بين المواطن والدولة، ويمهّد الطريق نحو بناء وطن تسوده العدالة والمسؤولية الحقيقية .