سما نيوز

الفساد والفاسدون في عدن والمحافظات الجنوبية: تاريخ وجذور وآفاق الحل

.

الفساد هو آفة المجتمعات التي تُضعف مؤسساتها وتشلّ قدراتها على التطور والتنمية، هذه الظاهرة تهدد تماسك النسيج الاجتماعي، وتؤدي إلى تفاقم الفقر والبطالة وانهيار الثقة بين المواطنين والحكومة في الجنوب، وخاصة في عدن والمحافظات الاخرى، يعاني المجتمع من تداعيات الفساد الذي ترسخ منذ ما بعد حرب 1994م، وهي فترة شهدت تدخلاً منظمًا للسيطرة على المؤسسات وتفريغها من دورها الأساسي.

تاريخ الفساد في عدن والمحافظات الجنوبية بعد حرب صيف 1994م.

بعد حرب 1994، شهد الجنوب تغييرات عميقة في هيكل السلطة الاقتصادية والسياسية، تم تحويل العديد من مؤسسات الدولة ومصادر الثروات إلى أيدي أفراد وجماعات تستغل النفوذ السياسي لتحقيق مصالحها الشخصية، في هذا السياق، برزت طبقة من النخب السياسية والاقتصادية التي بدأت بمراكمة الثروات عبر وسائل غير مشروعة كالتلاعب بالعقود العامة، والاستحواذ على الأراضي، ونهب الموارد العامة.

هذه النخب، التي ارتبطت في البداية بالنظام الحاكم بعد 1994، لم تقف عند استنزاف الثروات، بل قامت بترسيخ آليات للفساد المتجدد عبر تعيين وكلاء وممثلين في مواقع استراتيجية، هؤلاء الوكلاء يقومون باستغلال مناصبهم لتحقيق مصالح أسيادهم، ما أدى إلى هيمنة فئات معينة على الأنشطة الاقتصادية وتعطيل مصالح المواطنين.

أنواع الفساد وأضراره..

ينقسم الفساد في المحافظات الجنوبية إلى أشكال متعددة، أبرزها:

1. الفساد الإداري: ويشمل الرشوة، والمحسوبية، وتوظيف الأقارب، وتسييس المناصب.

2. الفساد المالي: مثل الاستيلاء على الأموال العامة، وتهريب الأموال إلى خارج البلاد، والتحكم بالعقود والمناقصات.

3. فساد الأراضي والعقارات: الاستيلاء على الأراضي والممتلكات العامة وإعادة بيعها بشكل غير قانوني.

4. الفساد المرتبط بالنفط والمعادن: يشمل استغلال الثروات الطبيعية عبر عقود مشبوهة، وعدم الالتزام بحقوق المحافظات من ثرواتها.

هذا الفساد له أضرار جسيمة، منها حرمان المواطنين من خدمات التعليم والصحة والمرافق الأساسية، وتأخير عمليات التنمية، فضلاً عن تدمير الثقة بين المواطنين والحكومة وزرع بذور اليأس والإحباط.

كيفية التعامل مع الفاسدين ووكلائهم؟؟

مكافحة الفساد عملية تتطلب التزامًا وإرادة سياسية قوية، خاصة للتعامل مع الفاسدين القدامى ووكلائهم الذين أصبحوا جزءًا من النسيج المؤسسي، هناك عدة استراتيجيات ممكنة لمكافحة الفساد في المحافظات الجنوبية:

1. تفعيل دور القضاء المستقل: يجب تفعيل القضاء بحيث يتمكن من محاسبة الفاسدين دون خوف من الضغوط السياسية، استقلالية القضاء تعتبر خطوة ضرورية لمحاربة شبكات الفساد الكبرى.

2. تطوير هيئات مكافحة الفساد ودعمها: يجب إنشاء أو تقوية هيئات مكافحة الفساد في عدن والمحافظات الجنوبية، وتوفير الموارد والصلاحيات اللازمة لها لملاحقة المشتبه فيهم.

3. تعزيز الشفافية في المناقصات والعقود العامة: يجب نشر جميع المعلومات المتعلقة بالعقود والمناقصات وإلزام الجهات العامة بالشفافية في إبرام العقود.

4. إعادة النظر في سياسات توظيف المسؤولين: العمل على تعيين المسؤولين عبر معايير الكفاءة والخبرة، ومحاربة ظاهرة المحسوبية، وعدم السماح للأقارب والمعارف بالوصول إلى المناصب المهمة.

5. التثقيف المجتمعي ضد الفساد: يجب توعية المجتمع بأهمية محاربة الفساد وأثره السلبي على حياتهم اليومية، ليتمكن الناس من المطالبة بحقوقهم وممارسة ضغوط شعبية ضد الفساد.

6. دعم الشفافية والرقابة الشعبية: يجب تشجيع المجتمع المدني والصحافة على رصد حالات الفساد وتوثيقها وكشفها للمجتمع، لضمان رقابة شعبية مستمرة.

7. التحقيق في ممتلكات الفاسدين القدامى: من الضروري فتح ملفات الفساد القديمة والتحقيق فيها، ومحاسبة المسؤولين واستعادة الممتلكات والأموال التي نهبوها، مما يبعث رسالة واضحة بأن الفساد لا يمكن التسامح معه.

ختاما..
إن معالجة الفساد في عدن والمحافظات الجنوبية تتطلب إرادة جادة وإصلاحات عميقة تبدأ من أعلى هرم السلطة إلى أدنى المؤسسات. بناء مجتمع عادل يتطلب قضاءً مستقلاً، ووعيًا شعبيًا متزايدًا، ومؤسسات قوية تعمل بشفافية.

يجب أن ندرك جميعًا أن معركة القضاء على الفساد هي معركة وجودية لبناء مستقبل أفضل، ومتى ما وجد التكاتف المجتمعي والإرادة الحقيقية، يمكن أن يتحقق التغيير.
والله المستعان..