ما للحب النخش إلا الكيال الأعور ، مثل سار في لحج على مدى الأجيال ، و تناقلته الأفواه ليصف واقع الحال
ففي هذا المثل رؤية الاستعانة لصاحب الأمر بشخوص تسوق له بضاعة فاسدة ، و جميع صفات و مزايا هذه الشخوص بشخصية الكيال الأعور ، ذلك الشخص غليظ الطبع ، سليط اللسان و الذي استطاع تصريف تلك الحبوب التالفة .
و يخطئ البعض في وضع مستوى العقوبة للمحكومين ، أو بالأحرى فساد المحكومين و تسلط الفاسدين عليهم .. و لكن في جدلية فساد الحكام و المحكومين تياران يتصارعان :
التيار الأول تحت مسار كيفما تكونوا يولى عليكم و هو منهج يقترب من رغبات الحكام الفاسدين و بطانتهم ، باعتبار أن تسلطهم إلاهي ينبغي الصبر عليه و لهم في ذلك مريدين و مناصرين
و التيار الثاني على مسار الناس على دين ملوكهم ، فإذا صلح الحاكم صلحت الرعية و إذا فسد الحاكم ظهر الفساد و استشرى و عم السهل و الجبل و هو منهج المصلحين
و يميل المثل اللحجي ما للحب النخش إلا الكيال الأعور لإثبات أن الفساد صناعة بنية مسبقة و له رجال لهم صفات و ممارسات ، و سننحى لإثبات ذلك عن طريق الضد و هي رؤية شيخ الإسلام ابن تيمية لإصلاح أوضاع البلاد و العباد و التي ضربها الفساد من أعلاها إلى أدناها ، و استفحل و استشرى في كل طبقات السلطة من حكام و أمراء و قادة و قضاة و جباة ، فكيف له أن يستنهض الأمة من المخاطر المحدقة بها و الفساد الذي ينخر فيها ، و لهذا جعل على رأس رؤيته وجود الحاكم الصالح الذي يرغب في إصلاح البلاد و العباد ، فيولي هذا الحاكم الصالح الأصلح و الأمثل من نوابه سواء كانوا وزراء أو عمال ، فيقومون بدورهم بتولية الأصلح و الأمثل في التكاليف و إدارة شئون الدولة فيعم الصلاح أرجاء البلاد
و لكن المثل اللحجي يصف المسار المعاكس لرؤية شيخ الإسلام ابن تيمية فهو يصف التكليف و التولية لغير الصالحين و التي اختزلت في شخصية الكيال الأعور ، و الأعور في الذاكرة المجتمعية العربية و الإسلامية هو رمز للشر و الظلم و البطش و الجور ، فهناك الدجال الأعور ، و وصف للجزار الأعور ، و اشتهر في لحج السلطان الأعور
حتى الكيال الأعور في المثل اللحجي تم توليته لتصريف الحبوب الفاسدة في رغبة من حاكم فاسد
و حتى لا أتوه بين المعاني و الأفكار ، أخلص إلى أن من أختار الكيال الأعور و غرضه من اختياره سيكون لصالح الفاسد الأكبر ، و خدمة لمصالحه ، و ليس لصالح غيره ، و هكذا تتم صناعة الفساد
هذا الكيال الأعور هو من يسوق البضاعة الفاسدة و التي هي الفاسدين و ممارساتهم ، حيث يملؤون الأرض فسادٱ و جورٱ الأمر الذي يضر بالبلاد و العباد ، و يولي من دونه أعور في كل مفصل من مفاصل الدولة ، و إذا ضج الناس من أعور أتاهم بأعور أشد فسادٱ و بطشٱ من سابقه
في بلد أصبح يحكمها العوران أقدم شهادتي ببراءة المجتمع من فساد نفسه ، بل هو فساد الكيال الأعور و ما أكثرهم في بلادنا ، و يا ويلنا من فساد حاكم عقد النية على إفساد البلاد و العباد
و هنا أختم طرحي هذا أيضٱ بالاستدلال بدعاء الخطباء و الدعاة في كل منبر بصلاح ولاة أمورنا ، و أن يولي الله علينا خيارنا ، و لا يولي علينا شرارنا ، و هذا الدعاء مستمر كل يوم و من على كل منبر ، و نسأل الله الاستجابة عاجلٱ غير آجل
إلا أنه و لحكمة منه جل شأنه إلى الآن لم يصلح الله ولي أمرنا ، و الكيال الأعور ما زال يسلط شرارنا على رقابنا و يمكنهم منا في كل مفصل من مفاصل الدولة.
قيض من فيض أوجزته لكم هنا و لي معكم لقاء آخر في موضوع مفصل بشأن الدجال الأعور فللحديث بقية … !!!